حين يُصنَّع الخطأ: الاستشراق المتأخر، وتزييف السؤال، وتدجين الفوضى باسم الديمقراطية:

عماد خالد رحمة _ برلين.

سؤالٌ يُصاغ بذكاءٍ استعماري
ليست الأسئلة بريئة دائماً، ولا البحث عن «الخطأ» فعلاً معرفياً محايداً بالضرورة. فثمّة أسئلة تُصنَّع، لا لتفكيك الواقع، بل لإعادة تركيبه وفق خرائط جاهزة، وأطر تفسيرية تُحدِّد مسبقاً جهة الاتهام وملامح الجريمة. من هذا المنظور، يمكن قراءة كتاب برنارد لويس «أين الخطأ؟» لا بوصفه محاولة لفهم تعثّر العالم العربي أو الإسلامي، بل باعتباره مثالاً متأخراً على الاستشراق الوظيفي؛ ذلك الذي لا يكتفي بوصف الشرق، بل يعيد تشكيله بوصفه «مشكلة» دائمة، قابلة للتأديب أو التفكيك أو «إعادة الهندسة».
لويس، وهو المؤرخ الذي قدّم نفسه خبيراً في تاريخ الإسلام والشرق الأوسط، يستخدم بوصلة معرفية تبدو دقيقة، لكنها مشحونة بفرضيات عنصرية مضمرة: تفوّق النموذج الغربي، وبدائية الآخر، وكون التخلف قدراً ذاتياً لا نتيجة تاريخية لشبكات معقّدة من الهيمنة والاستعمار والنهب البنيوي.
أولاً: الاستشراق بوصفه سلطة معرفية
كشف إدوارد سعيد، في كتابه المؤسِّس «الاستشراق»، أن هذا الحقل لم يكن يوماً معرفة بريئة، بل نظاماً للتمثيل يخدم السلطة الإمبريالية. فالشرق، في المخيال الاستشراقي، ليس كياناً تاريخياً حيّاً، بل صورة مُختزلة: عاطفي، غير عقلاني، عاجز عن الحكم الذاتي، محتاج دائماً إلى وصاية.
يندرج لويس تماماً ضمن هذا التقليد، وإن بلباس أكاديمي أنيق. فهو لا يسأل عن أثر الاستعمار في تفكيك البنى الاقتصادية والاجتماعية، ولا عن دور الانقلابات المدعومة غربياً، ولا عن تشويه الدولة الوطنية الناشئة، بل يقفز مباشرة إلى «الخلل الثقافي» أو «العطب الحضاري». هكذا يتحوّل التاريخ إلى محكمة انتقائية، تُحذف منها الأدلة المُدانة للغرب، ويُترك المتهم وحيداً أمام قاضٍ يدّعي الحياد.
ثانياً: تزييف السؤال بوصفه استراتيجية
السؤال «أين الخطأ؟» يبدو للوهلة الأولى مشروعاً. غير أن خطورته تكمن في طريقة صياغته. فبدلاً من السؤال: كيف صُنعت شروط الفشل؟ أو من استفاد من تعطيل مسارات التطور؟، يُطرح السؤال كأنه بحث في عيب داخلي متأصل.
هنا نستحضر ميشيل فوكو، الذي نبّه إلى أن السلطة لا تعمل فقط بالقمع، بل بإنتاج الخطاب. فالخطاب الذي يُنتج «الخطأ» بوصفه جوهراً ثقافياً، إنما يعفي البنى العالمية من المساءلة، ويُعيد توجيه النقد إلى الضحية نفسها. وبهذا المعنى، يصبح السؤال أداة هيمنة، لا أداة كشف.
ثالثاً: الديمقراطية بين القناع والوظيفة
الأخطر في أطروحات لويس وأشباهه هو الخلط المتعمّد بين الديمقراطية بوصفها قيمة تحرّرية، وبين الليبرالية الجديدة بوصفها مشروعاً اقتصادياً-سياسياً قائماً على تفكيك الدولة، وتحرير السوق، وخصخصة المجال العام.
لقد أشار نعوم تشومسكي مراراً إلى أن ما يُصدَّر إلى الجنوب العالمي ليس ديمقراطية، بل إدارة للفوضى تضمن تدفق الموارد وحماية المصالح. أما كارل بولاني، في «التحوّل الكبير»، فقد بيّن أن السوق حين يُطلق بلا قيود، يُنتج تفككاً اجتماعياً عميقاً، لا استقراراً ولا حرية.
في هذا السياق، تتحوّل الديمقراطية إلى نابل فوضوي، يُرمى في مجتمعات لم يُسمح لها ببناء مؤسساتها السيادية، ولا باقتصاداتها الوطنية، ولا بعقودها الاجتماعية. ثم يُقال لها، ببرود استشراقي: أنتم غير مؤهّلين للحرية.
رابعاً: الفوضى غير الخلّاقة… حين يُعاد تدوير الخراب
مصطلح «الفوضى الخلّاقة»، الذي راج في الخطاب السياسي الغربي، ليس سوى تسمية تجميلية لسياسات التفكيك. وقد نبّه المفكر الفلسطيني عزمي بشارة إلى أن تفكيك الدولة لا يولّد مجتمعاً حراً، بل يفتح المجال لسلطات ما قبل الدولة: الطائفة، العشيرة، الميليشيا.
هنا يتجلّى البعد الأخلاقي للأطروحات المصنّعة: إذ تُقدَّم الفوضى بوصفها مرحلة ضرورية، بينما يُغفل السؤال الجوهري: من يدفع الثمن؟. وكما قال فرانز فانون، فإن الاستعمار لا يدمّر فقط البنية الاقتصادية، بل يُخلخل الوعي، ويُنتج إنساناً مشطوراً بين صورة مفروضة وواقع مسلوب.
خامساً: نحو استعادة السؤال من براثن التزييف

يذكّرنا عبد الله العروي بأن الحداثة ليست وصفة جاهزة تُستورد، بل مسار تاريخي معقّد، يتطلب سيادة معرفية قبل أي شيء. كما يحذّر محمد عابد الجابري من الوقوع في فخ «القطيعة الوهمية» التي تُطالبنا بخلع ذاكرتنا كي نُرضي نموذجاً خارجياً.
خاتمة: حين يصبح التفكير فعلاً تحررياً
إن أخطر ما في أطروحات من طراز برنارد لويس ليس ما تقوله صراحة، بل ما تُخفيه في بنيتها العميقة: تحويل الهيمنة إلى قدر، والتاريخ إلى عيب، والديمقراطية إلى أداة اختبار أخلاقي للضحايا.
لذلك، فإن استعادة الحق في التفكير النقدي ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً للتحرر. فحين نُعيد امتلاك السؤال، نُعيد امتلاك المصير. وحين نفكك الأطروحات المصنّعة، نُسقط عنها قناع الموضوعية، ونكشفها بوصفها ما هي عليه حقاً: استمراراً للاستعمار، ولكن بلغة ناعمة، وبلاغة أكاديمية، وادعاء أخلاقي زائف.