تُعدّ الترجمة من أهم الوسائط الحضارية التي أسهمت، عبر التاريخ، في نقل الفكر والثقافة والمعرفة الإنسانية بين الشعوب، فهي ليست مجرّد تحويل آلي لنصٍّ من لغة إلى أخرى، بل فعلٌ مركّب يقوم على إعادة إنتاج المعنى، ونقل الرؤية، واستضافة الأسلوب والسياق الثقافي والحضاري للنص الأصلي داخل لغة جديدة. ومن هذا المنطلق، تغدو الترجمة عملية معرفية وجمالية في آنٍ معًا، تتجاوز حدود النقل الحرفي لتلامس جوهر الفهم والتأويل.
لقد شكّلت الترجمة، منذ بداياتها الأولى، مجالًا للجدل النظري والفلسفي، إذ تباينت الرؤى حول طبيعتها وحدودها ووظيفتها. وقد أشار المفكر والناقد الأدبي الأمريكي الفرنسي الأصل جورج ستاينر (George Steiner) إلى ما يمكن تسميته بثالوث الترجمة: الترجمة الحرفية (كلمة بكلمة)، والترجمة الدلالية (معنى بمعنى)، والترجمة الأمينة المحكّمة. وفي هذا السياق، تُفهم الترجمة بوصفها فنًا قائمًا بذاته، يتطلّب من المترجم حسًّا لغويًا مرهفًا، وقدرة إبداعية عالية، ومعرفة عميقة باللغتين والثقافتين معًا.
وليس غريبًا أن تكون الترجمة قد رافقت الإنسان منذ أقدم النصوص الملحمية والأدبية؛ فقد تُرجمت ملحمة جلجامش السومرية، والإلياذة، والأوديسة إلى لغات عديدة منذ الألفية الثانية قبل الميلاد، ولا سيما في الثقافات الآسيوية. وهذا يؤكّد أن الترجمة كانت، وما تزال، فعلًا تأويليًا بامتياز، يقوم فيه المترجم بدور الوسيط بين لغتين وثقافتين وحضارتين، ساعيًا إلى نقل النص من أفقه الأصلي إلى أفق جديد، دون أن يفقد روحه أو دلالته العميقة.
وفي مسارها التاريخي، ارتبطت الترجمة ارتباطًا وثيقًا بالمنهج التأويلي (الهيرمينوطيقا)، الذي يُعنى بفهم النصوص وتفكيكها والكشف عن مقاصدها وسياقاتها. فالتأويل ليس نشاطًا طارئًا، بل ممارسة إنسانية قديمة، نشأت استجابةً للعوائق والحواجز التي تعترض فهم الخطاب الإنساني، ولا سيما حين يتعلّق الأمر بنصوص تنتمي إلى ثقافات مختلفة أو أزمنة متباعدة.
من هنا، تدفعنا الترجمة إلى معرفة الآخر بوصفه خطابًا وأسلوبًا ورؤية للعالم، سواء كان النص أدبيًا أو علميًا أو فلسفيًا أو قانونيًا. إنها عملية حوارية تبحث عن نقاط الالتقاء والتفاهم بين النص المصدر والنص الهدف، رغم ما يفصل بينهما من اختلاف لغوي وثقافي ومعرفي. وفي هذا التفاعل، تتكاثر القراءات، وتتنوّع الاستراتيجيات، وتُنتج الترجمة معاني جديدة لم تكن متاحة قبل فعل النقل، تبعًا للمرجعية الثقافية والمعرفية للمترجم والمتلقي معًا.
وهنا تبرز الإشكالية الكلاسيكية المتجدّدة بين «الأنا» و«الآخر». فصورة الآخر في الوعي الجمعي ليست معطًى ثابتًا، بل تتشكّل تبعًا لمسار العلاقات التاريخية والسياسية والثقافية بين الشعوب، سواء قامت هذه العلاقات على التعاون والتكافؤ، أم على الهيمنة والسيطرة. وفي السياق العربي، لا يمكن إغفال أثر التجربة الكولونيالية وما خلّفته من اغتراب ثقافي ومعرفي، حيث سعى الاستعمار إلى تشويه التاريخ، ونهب الثروات، وإعادة تشكيل صورة الذات العربية من خلال خطاب استشراقي متعالٍ، ما جعل «الأنا» تنظر إلى ذاتها أحيانًا بعيون «الآخر».
من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى تفكيك الخطاب الاستشراقي والسياسي والفكري ذي الخلفية الاستعمارية، وهو دور ينهض به الفكر النقدي بوصفه أداة مساءلة ومراجعة. فالتصحيح لا يتحقّق إلا عبر بناء أفق يقوم على الاعتراف المتبادل، والتكافؤ اللغوي والثقافي، والإنصاف المعرفي، بما يتيح التعايش والتضامن بدل الإقصاء والهيمنة.
وفي هذا الإطار، تؤدّي الترجمة دورًا محوريًا بوصفها فعل تواصل وتأويل بين «الأنا» و«الآخر». فهي تفتح المجال لتبادل المعارف والعلوم، وتسهم في تطوّر المجتمعات وازدهارها، عبر نشر الإبداع الأدبي والفلسفي والفني، وتنمية الذائقة الجمالية، وتعزيز قيم التعدّد والاختلاف والإنصاف.
وقد عبّر الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (Paul Ricœur) عن هذا البعد الإنساني للترجمة حين اعتبرها «استضافة للآخر»، حيث تستقبل لغةٌ وثقافةٌ ما لغةً وثقافةً أخرى، في عملية تفاعل قد تنطوي على توتّر واغتراب، لكنها في الوقت ذاته شرط للفهم المتبادل. ويرى ريكور أن المترجم هو بالضرورة مؤوِّل، لأن فعل الترجمة لا ينفصل عن الفهم والتفسير وإعادة الصياغة.
أما الفيلسوف والروائي الإيطالي أومبيرتو إيكو (Umberto Eco)، فينظر إلى الترجمة بوصفها عملية تفاوض مستمر، وحوار داخلي بين النص والمترجم من جهة، وبين اللغات والثقافات من جهة أخرى. وهي عملية تقوم على التأويل والتفكيك السيميائي والرمزي، من أجل بلوغ نصٍّ مترجَم يوازن بين الدلالة والمعنى، ويُراعي مقاصد النص الأصلي وانتظارات القارئ الجديد.
وخلاصة القول، إن الترجمة ليست مجرّد أداة تقنية، بل فعل تأويلي وحضاري، يسهم في تعميق التفاهم الإنساني، وتقريب المسافات بين الثقافات، وبناء جسور الحوار بين اللغات والحضارات. إنها ممارسة معرفية تُغني اللغة الأم، وتفتحها على آفاق كونية، وتجعل من التواصل الإنساني مشروعًا قائمًا على الاعتراف والاختلاف الخلّاق، لا على الإقصاء أو الهيمنة.
الترجمة بوصفها أفقًا للتأويل والتواصل المعرفي بين الأنا والآخر :
بقلم: عماد خالد رحمة – برلين.








