باحث وأكاديمي في الفلسفة السياسية والشؤون الصهيونية
لا يمكن مقاربة ظاهرة دونالد ترامب بوصفها مجرد حالة سياسية عابرة أو انحرافاً في السلوك السياسي الأمريكي، بل ينبغي النظر إليها كـتجلٍّ فلسفي عميق لتحول في بنية العقل الغربي المعاصر. فترامب لا يمثل شخصاً بقدر ما يمثل لحظة انكشاف لفلسفة كامنة كانت تعمل بصمت داخل الرأسمالية الغربية، ووجدت فيه صوتها الصريح، الفج، غير الأخلاقي.
هذه الدراسة تحاول تفكيك العقل الترامبي بوصفه عقلاً ما بعد براغماتي، ما بعد أخلاقي، وما بعد إنساني، يستدعي عناصر من نيتشه، ويقوّض إرث جون ديوي ووليام جيمس، ويعيد تشكيل النظام الدولي على أساس القوة العارية لا القيم.
أولاً: من البراغماتية إلى فلسفة القوة
قامت البراغماتية الأمريكية (ديوي – جيمس) على:
المنفعة المشروطة بالقيمة
التجربة بوصفها أداة لتحسين الوجود الإنساني
الأخلاق كجزء من الفعل الاجتماعي
أما العقل الترامبي فينقلب على ذلك ليؤسس:
المنفعة المجردة من الأخلاق
القوة بوصفها معيار الحقيقة
النجاح بوصفه غلبة لا عدالة
هنا نكون أمام قطيعة فلسفية مع البراغماتية، لا تطويراً لها.
ثانياً: استدعاء نيتشه – ما وراء الخير والشر
يتقاطع ترامب، لا نظرياً بل عملياً، مع نيتشه في:
نسبية القيم
رفض الأخلاق الكونية
تمجيد الإرادة القوية
احتقار الضعف بوصفه عيباً وجودياً
لكن ترامب لا يقرأ نيتشه كفيلسوف، بل يوظفه كمنطق سلطوي:
العالم ليس أخلاقياً، بل ساحة صراع
الإنسان ليس غاية، بل أداة
القيم تُخلق بالقوة لا بالعقل
ثالثاً: ثنائية العالم – السوبرمان والعالم القطيع
في الفلسفة الترامبية الضمنية، ينقسم العالم إلى:
العالم السيد
أمريكا
إسرائيل
الرأسمالية البيضاء المتفوقة
العالم الخادم
شعوب الجنوب
فلسطين، العراق، فنزويلا، إفريقيا
عالم الموارد لا الحقوق
هذا التقسيم يعيد إنتاج:
فكرة “شعب الله المختار” (سياسياً لا لاهوتياً)
مفهوم السوبرمان النيتشوي
الإنسان الأداتي لا الإنسان المقدس
رابعاً: انهيار الأخلاق وتشييء الإنسان
في هذا السياق:
الإنسان رقم
الشعوب أسواق
الأوطان حقول نهب
الحروب صفقات
هنا يتم تفكيك القداسة الثيولوجية للإنسان:
لم يعد الإنسان صورة الله
بل أصبح مادة خام في السوق العالمية
وهو أخطر تحوّل في التاريخ الحديث.
خامساً: العقل الترامبي ونقد العقل التأويلي
العقل الترامبي:
بلا مرجعية ميتافيزيقية
بلا أخلاق دينية
بلا التزام إنساني كوني
إنه عقل:
تاريخي صرف
خاضع لصراع الإرادات
أداتي وظيفي
ما يجعل الأخلاق نتاج صراع لا مبدأ، والقانون الدولي أداة هيمنة لا عدالة.
سادساً: تأخير سقوط الرأسمالية المتوحشة
سياسات ترامب لا تنقذ الرأسمالية، بل:
تؤخر انهيارها
تعمّق تناقضاتها
تكشف وحشيتها
وهنا يظهر دور:
الرأسمالية العربية
المال النفطي
التحالف الوظيفي مع الغرب
بوصفه:
جهاز إنعاش مؤقت لجسد رأسمالي يحتضر
سابعاً: النظام الدولي ما بعد الرأسمالية
النظام القادم – إن تحقق – لن يكون:
اشتراكياً كلاسيكياً
ولا رأسمالياً متوحشاً
بل:
متعدد الأقطاب
أخلاقي التأسيس
إنساني المرجعية
قانوني لا قهري
ثامناً: فلسطين في النظام الدولي الجديد
كما وُلدت إسرائيل من رحم نظام 1948، قد تولد الدولة الفلسطينية من:
انهيار الرأسمالية المتوحشة
سقوط أخلاق القوة
صعود القانون الدولي الجديد
فلسطين ليست قضية حدود، بل اختبار أخلاقي للنظام العالمي..الجديد.







