طبيعة الخوف تأتي من توقع المجهول،إما لكونه مجهولا وغير معلوم،أو لقياس حالات وظروف مرت على الغيّر، وترسخت في الوعي،ومتوقع حدوثها مع المستهدف،وبالتالي يقع الخوف،ويسكن النفس القلق والانتظار والترقب،وهذه الحالة هي التي تلف الكثيرين في عالمنا العربي والإسلامي وفي المنطقة والعالم عندما تصوب اعينها على الجمهورية الإسلامية في ايران،وما سيحدث معها قريبا او بعيدا من قبل الولايات المتحدة الامريكية أو إسرائيل أو كلاهما معا.
لمحاولة حل هذا اللغز إن جاز التعبير، لا بد لنا من تحليل الطبيعة الإيرانية الحالية والتي تحكمها ثورة إسلامية منذ اكثر من 46 عاما سبقت،هذه الثورة التي قادها الراحل الامام اية الله الخميني، وأسس فيها نموذجا جديدا اعتبر انقلابا كاملا في ثقافة الاعتقاد والسياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع،ففي ثقافة الاعتقاد،كسر مفهوم ترسخ منذ اكثر من 1200 عام لدى الشيعة الاثنى عشرية ،وهو انتظار الامام المهدي عليه السلام حتى تقام دولة الإسلام حسب ذلك المذهب،بأن وضع مفهوم ولاية الفقيه،أي ضرورة إقامة الدولة الإسلامية بقيادة نائب للمهدي تجتمع فيه كامل الشرائط حتى يظهر الامام المهدي،وفي هذا الامر عانى الامام الخميني كثيرا، وجاهد طويلا حتى رسخ هذا الاجتهاد،والبسة ثورة ايمانية حسينية،اما التغير السياسي،فقد قلب ايران من تابعة ونصيرة لامريكا والغرب وإسرائيل،لدولة وثورة كاملة العداء لهم جميعا وخصوصا امريكا وإسرائيل بدرجة اعلى،اما اقتصاديا،فقد حرر الاقتصاد الإيراني من اقتصاد تابع مقيد،الى اقتصاد حر مقاوم وقف منذ الأشهر الأولى في وجه الحصار والعقوبات التي فرضت عليه، اما اجتماعيا وثقافيا،فقد اوجد حالة من تفاعل الاعتقادي مبنية على ثقافة الثورة التي أصبحت ميزان للعلاقات مع الخارج،فبعد سقوط صدام حسين ونظامه الذي كان العدو اللدود للثورة الإسلامية في ايران،واتاح لذلك للفصائل والتوجهات الشيعية التي يحمل معظمها او يقارب الى حد ما الثورة الإسلامية الإيرانية،أصبحت العراق اكثر من دولة جوار بالنسبة لإيران بل عمق استراتيجي لها، ويكفي ان تعرف ان ايران وباعتراف القيادات العراقية هي التي دعمت العراق بالسلاح والامكانيات لقتال داعش،وهي أيضا التي لم تطالب العراق لغاية الان بدفع خسائر الحرب العراقية الإيرانية والتي دامت ثماني سنوات،والتي اقرت بقرار من مجلس الامن،والتي بلغت قيمتها ترليون ومئتي مليار دولار.
هذه الثورة بأبعادها الكبيرة والكثيرة،لم تصمد امام الحصار ومحاولة الخنق فحسب،بل نهضت بشكل قياسي بالشعب الإيراني الذي عانى عقودا من الفقر والجهل والفساد في زمن شاه ايران محمد رشا بهلوي واسرته الحاكمة ووالده من قبله،وكانت نهضتها في كل المجالات،فعندما جاءت الثورة كانت نسبة الامية في الشعب الإيراني 70%، لقد تم تصفير هذا الرقم منذ اكثر من عشر سنوات،علميا هي الدولة رقم 15 في العالم من حيث الإنتاج العلمي، والأولى في اسيا ،في الاقتصاد هي الدولة رقم 18 رغم الحصار والعقوبات،في العسكر هي الدولة رقم 16 من حيث القوة العسكرية والإنتاج الحربي، وبلغ الناتج القومي الإيراني في العام 2025 (356،51) مليار دولار. وهو ضعف الناتج الإسرائيلي لنفس العام،ويساوي نصف الإنتاج البريطاني تقريبا.
اما سياسيا،فلا زالت مبادئ الثورة الإسلامية التي اقرتها ادبيات الثورة ونجحت وانتصرت على أساسها،لا زالت ميزان التعامل السياسي مع الخارج،سواء كان ذلك مع الأعداء او مع الأصدقاء، رغم حجم التغيرات والتحولات الهائلة التي هبت على المنطقة والعالم،فمناصرة القضايا العربية وعلى رأسها قضية فلسطين،لم تتغير أو تتبدل بالرغم أن ايران دفعت ولا زالت تدفع ثمنا باهضا بسبب التمسك بها ومساندتها بالمال وبكل أسباب القوة والبقاء،وكذلك العداء الصريح والواضح للإدارات الامريكية المتعاقبة لا زال حاضرا وبقوة وأول أسبابه هي دعم الولايات المتحدة للسياسات الامريكية لإسرائيل،ولم تتمكن الادارات الامريكية قاطبة منذ عهد الرؤساء جيمي كارتر،ومن بعده دولاند ريغان ومن بعده جورج بوش الاب ثم جورج بوش الابن ثم بل كلنتون وباراك اباما،ودولاند ترامب في حقبته الأولى،وجو بادين وترامب في سنته الأولى من حقبته الثانية،جميعهم عجزوا عن فك شيفرة الثورة الإسلامية الايران،وحملها أو إجبارها على التحول لما يخدم مصالحهم وأمن إسرائيل.
ولم تقتصر حالة الوقوف الى جانب المظلوم في العالم على الحالة الفلسطينية،بل هي متجذرة وشاهدة وكبيرة في لبنان وفي اليمن وفي العراق خصوصا سواء كان ذلك ابان الاحتلال الأمريكي أو بعده،وكذلك في البوسنة والهرسك في أوروبا الشرقية،والدول ذات المنظومة الاشتراكية في فنزويلا وكوبا والبرازيل وكولومبيا وتشيلي وغيرها.
وإذا كان العدوان الإسرائيلي على ايران الذي كان في الثالث عشر من حزيران الماضي حمل مبررات أو أهداف سياسية اسرائيلية وامريكية نظرا لتوافقهما الكبير بشأن هذا الملف وهي: تدمير المشروع النووي الإيراني،وضرب مشروع صناعة الصواريخ البالستية بعيدة المدى،ووقف مساندة حركات المقاومة في المنطقة،فإن هذه الأهداف لم يتحقق منها أي شيء رغم كثافة القصف الإسرائيلي ومن خلف الأمريكي خلال اثني عشر يوما من الحرب،فالمشروع النووي الإيراني الذي ضربت أماكنه في فوردو وناطانز واصفهان،ناله شيء من ضرر المنشأت،وبقي الناتج من اليورانيم المخصب سالما كما يقر بذلك الإسرائيليون والامريكان انفسهم،وإذا كان مثلث المشروع النووي الإيراني مكون من ثلاثة اضلاع،وهي العقل( العلماء والفنيين) والمنشأت، والناتج،فإن الاضرار أصابت بعض المنشأت ولم تدمرها تماما،وهذه المنشأت بالإمكان إعادة ترميمها بسرعة، أما العقل،ففي ايران عشرة الالف عالم وفني وتقني نووي، اذا تم قتل عدد منهم ،فهذا لا يعني أن العقل النووي في ايران قد مسح تماما، الامر الثالث وهو الأخطر الناتج من التخصيب والذي يبلغ 450 كليو من اليورانيم المخصب بنسبة 60%،وهو ما تتوجس منه إسرائيل بالذات لا زال محفوظا داخل ايران، وبذلك يكون تحقيق الأهداف المرفوعة قد سقطت،والتصريحات لمسؤولين إيرانيين سياسيين وعسكريين وعلى اعلى المستويات لا تزال تصر على حق ايران بالتخصيب، وانها لن تتنازل عنه مهما كانت النتائج.
ثانيا،مشروع الصواريخ البالستية،وهو مكون إيرانيا من ثلاثة عشر نوعا متفاوتا،بعضه يبلغ مداه الفي كليومتر،وهي القوة الأساسية الضاربة للجيش الإيراني والحرس الثوري بإعتبار أنها دولة مستهدفة لا زالت تلتزم بفتوى الامام الخامنئي الذي يحرم صنع واقتناء القنابل النووية والجرثومية والكيماوية بإعتبارها سلاح دمار شامل،لذلك تكثف ايران انتاج الصواريخ وغيرها من المعدات العسكرية،الإدارة الامريكية وإسرائيل يطالبان ايران بتقصير مديات الصواريخ لمسافة لا تزيد عن 500 كم وايران ترفض وتعتبر القوة الصاروخية خط الأحمر،وقوة اقتدار لا يمكن التراجع عنها.
أما دعم قوى المقاومة عسكريا وسياسيا وحتى لوجستيا وفنيا،وهو المطلب الثالث الذي لم يتحقق من العدوان على ايران،فحسب الاعلام العبري ذاته،المصادر تقول أن دعم المقاومة اللبنانية لازال قائما ،وكذلك الفلسطينية واليمنية والعراقية.
إذا لم تنجح إسرائيل والويلات المتحدة في تحقيق أي من أهدافها من العدوان الذي شن على ايران في حزيران الفائت، بل ان ايران شرعت من اليوم الأول من وقف اطلاق النار في التحرك شرقا نحو روسيا والصين لسد الثغرات التي تسببت في تحييد الدفاعات الجوية الإيرانية وسد العجز في الطائرات الحربية،بل بناء اسطول حديث من هذه الطائرات الأكثر حداثة من الصين وروسيا،بالإضافة لمنظومات الدفاع الجوي،لانها تدرك تماما أن ما جرى ما هو الا الفصل الأول من المواجهة التي ستستكمل فصولها لاحقا.
اما داخليا،فقد تم والى حد كبير تنظيف الداخل من المندسين من عملاء الموساد وغيره في عملية واسعة جاءت على أرضية اتحاد كل شرائح الشعب الإيراني في وجه العدوان،وما يجري اليوم من ركوب التظاهرات المطلبية من قبل انصار المشروع الأمريكي والإسرائيلي والبهلوي والتي جاءت بفعل ما يصيب الاقتصاد الإيراني من ضرر بفعل العقوبات الامريكية والغربية،فإن التظاهرات المليونية والتي جرت الجمعة بعد الظهر لهي دليل على قوة النظام وتجذره، وامتداد شعبيته رغم كل الاثقال الاقتصادية،وأن النظام لم يستخدم لغاية الان الا جزءا يسيرا من قوته المتعددة في وجه من يريد سحب الاحتجاجات لساحات ابعد من المطالب المشروعة،وهي اسقاط ايران في اليد الامريكية والإسرائيلية بإعتبارها القلعة الكداء في وجه المشروع الأمريكي والإسرائيلي.





