باحث سياسي واجتماعي
جامعة الجزائر 2
يُعدّ الانقسام الفلسطيني أحد أخطر التحولات البنيوية التي أصابت المشروع الوطني الفلسطيني المعاصر، ليس فقط بوصفه حالة سياسية طارئة، بل كونه تحوّل تدريجياً إلى نظام تاريخي داخلي يُعاد إنتاجه فلسطينياً، رغم كونه في الأصل أحد مخرجات الاستراتيجية الإسرائيلية في تفكيك البنية الوطنية الفلسطينية.
وإذا كان الانقسام قد نشأ في سياق الاحتلال، فإن استمراره وتحوله إلى بنية مستقرة يطرح سؤالاً مركزياً:
إذا كان الانقسام صناعة إسرائيلية، فلماذا لا تكون الوحدة صناعة فلسطينية؟
أولاً: الانقسام كمنتج استراتيجي إسرائيلي
لا يمكن فصل نشأة الانقسام الفلسطيني عن المنطق البنيوي للنظام الإسرائيلي القائم على تفكيك الخصم، لا هزيمته فقط. فإسرائيل لم تنظر يوماً إلى الفلسطينيين كجسم وطني موحّد، بل عملت منذ البداية على:
تفتيت الجغرافيا (غزة/الضفة/القدس).
تفكيك التمثيل السياسي.
تحويل الصراع من صراع تحرري جامع إلى صراعات داخلية على السلطة والإدارة.
لكن الخطير ليس في صناعة الانقسام بقدر ما هو في قبول الفلسطينيين بتحويله إلى واقع دائم في سيرورة متحركة ومستمرة.
ثانياً: من الانقسام المفروض إلى الانقسام المحمي داخلياً
تكشف التجربة الفلسطينية أن العالم – بكل تناقضاته – حاول مراراً إنهاء الانقسام الفلسطيني:
الصين، روسيا، الجزائر، مصر، وأطراف دولية وإقليمية عديدة تدخلت من أجل المصالحة، لكن الفشل كان دائماً يأتي من الداخل الفلسطيني.
وهنا تبرز حقيقة مركزية:
هناك قوى فلسطينية داخلية تحمي الانقسام وتمنع نهايته.
هذه القوى لا تعمل بالضرورة كشخصيات أو فصائل فقط، بل كـ طبقة سياسية – اجتماعية – اقتصادية وظيفية ترى في الانقسام شرطاً لبقائها ومصالحها.
ثالثاً: فتح وحماس – الانقسام كمنفعة متبادلة
لا يمكن فهم الانقسام دون مقاربة نقدية لدور القوتين الرئيسيتين:
في فتح: تشكّلت قوى داخلية ترى في الانقسام وسيلة للحفاظ على السلطة والامتيازات داخل بنية الحكم في الضفة.
في حماس: نشأت قوى ترى في السيطرة المنفردة على غزة ضمانة لبقائها السياسي والأمني والاقتصادي.
وبين الطرفين، لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل نظام مصالح، لكل طرف فيه جمهور، واقتصاد، وأجهزة، وخطاب يبرر الاستمرار.
رابعاً: الانقسام وإصابة البنية المجتمعية
لم يتوقف أثر الانقسام عند المستوى السياسي، بل أصاب النسيج الاجتماعي الفلسطيني ذاته:
انقسام الولاءات المجتمعية.
تشكّل جمهورين سياسيين متنافرين.
تحويل الفصيل إلى هوية اجتماعية بديلة عن الهوية الوطنية الجامعة.
وهكذا لم يعد الانقسام خلافاً بين نخب، بل أصبح حالة مجتمعية تُعاد إنتاجها يومياً.
خامساً: الشعب كمدخل للحل… لا النخب
إن أخطر ما في التجربة الفلسطينية هو إقصاء الشعب عن دوره الطبيعي في صناعة القرار.
فالوحدة الوطنية لا تُصنع في الغرف المغلقة، ولا عبر صفقات بين النخب، بل عبر:
العودة إلى الانتخابات العامة.
تجديد الشرعيات.
كسر احتكار التمثيل.
لكن هذا المسار يصطدم بوجود طبقات مضادة للوحدة ذات مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية ترى في الديمقراطية تهديداً مباشراً لها.
سادساً: الانقسام كمولّد لتفاوت جغرافي – تنموي
أنتج الانقسام تفاوتاً استراتيجياً خطيراً بين:
رام الله كمركز سلطة واقتصاد.
غزة كجغرافيا محاصرة ومُفقَرة.
نشأ وطن واحد غير متكافئ:
مسارات تنمية غير متوازنة.
تفاوت في الثروة والفقر.
اختلاف في أنماط العيش والفرص.
وكل ذلك ضمن وطن واحد، لكنه منقسم وظيفياً، بفعل طبقة تعيش على إدارة الانقسام لا إنهائه.
سابعاً: الانقسام كنظام فلسطيني داخل منطق الاحتلال
بهذا المعنى، لم يعد الانقسام مجرد أزمة سياسية، بل:
نظام فلسطيني داخلي يعمل داخل منطق النظام الإسرائيلي المحتل، ويخدمه موضوعياً دون أن يكون بالضرورة تابعاً له مباشرة.
إنه نظام يعيد إنتاج العجز، ويُفرغ القضية من بعدها التحرري، ويحوّل الصراع من صراع مع الاحتلال إلى صراع على إدارة ما تبقى من وطن.
خاتمة
إن فهم الانقسام الفلسطيني بوصفه نظاماً تاريخياً وطنياً مشوّهاً يتيح لنا تجاوز الخطابات التبريرية، والانتقال إلى نقد جذري للبنية السياسية والاجتماعية التي غذّته.
فالانقسام ليس قدراً، لكنه أيضاً ليس صدفة.
وإذا كان الاحتلال قد صنع شروطه الأولى، فإن الفلسطينيين – للأسف – صنعوا استمراريته.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل نمتلك الشجاعة لتحويل الوحدة إلى صناعة فلسطينية خالصة، أم سنبقى أسرى لانقسام يحرسه أبناؤه؟








