بين الوقف الإسلامي والسياسة الشرعية: رد على من يرفض منظمة التحرير باسم الدين

بقلم : م.محمد علي العايدي

يتردد في الآونة الأخيرة خطاب سياسي ديني يتميز به حزب التحرير وحماس وجهات إسلاميه اخرى  بعدم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية وسياساتها، بحجة أنها منظمة علمانية، وأنها قبلت بحل الدولتين، وأن فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز التنازل عن شبر منها.
هذا الخطاب، رغم ما يبدو عليه من غيرة دينية، يحتاج إلى وقفة علمية وشرعية وسياسية هادئة، لأن النية الحسنة لا تُغني عن صحة الفهم، ولأن القضايا الكبرى لا تُدار بالشعارات.

أولًا: فلسطين وقف إسلامي… ولكن ماذا يعني ذلك شرعًا؟
القول إن فلسطين وقف إسلامي قول صحيح من حيث الأصل التاريخي والفقهي، لكن الخطأ يبدأ حين يُحوَّل هذا المفهوم إلى أداة لتعطيل السياسة، أو لتكفير الخيارات الوطنية، أو لاتهام كل من يعمل في المجال السياسي بالتفريط.

الوقف في الفقه الإسلامي لا يعني الجمود، ولا يمنع الإدارة المرحلية للأرض وفق ميزان القوة والمصلحة.
وقد علّمنا الفقه الإسلامي، منذ العز بن عبد السلام إلى ابن تيمية، أن السياسة الشرعية هي فن إدارة الممكن دون إسقاط الثوابت.

والنبي ﷺ نفسه عقد صلح الحديبية، وقَبِل بشروط قاسية في ظاهرها، لم يكن فيها تنازلًا عن الحق، بل إدارة ذكية للمرحلة.
فهل كان ذلك تفريطًا؟ أم فقهًا في المآلات؟

التحريم في الشرع يحتاج إلى نص، ولا يوجد نص واحد يحرّم أي صيغة سياسية مرحلية لاسترداد الأرض أو حفظ القضية.
بل إن القواعد الفقهية الكبرى تقرر:

ما لا يُدرك كله لا يُترك جله
ودفع أعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما

ثانيًا: منظمة التحرير ليست جماعة دعوية بل إطار تحرر وطني
منظمة التحرير الفلسطينية لم تُنشأ لتكون حزبًا دينيًا ولا جماعة عقدية، بل إطارًا وطنيًا جامعًا يمثل الشعب الفلسطيني بكل أطيافه، مسلمين ومسيحيين، متدينين وغير متدينين.

فلسطين ليست ملك تيار فكري واحد، ولا يجوز اختزالها في قراءة أيديولوجية ضيقة.
ومن الخطأ الكبير قياس حركة تحرر وطني بمنطق “الاعتراف العقدي”، وكأننا نطلب من الشعوب المحتلة أن تتحرر أولًا فكريًا قبل أن تتحرر أرضها.

ثالثًا: رفض منظمة التحرير… لمن يخدم فعليًا؟
رفض منظمة التحرير الفلسطينية لا يبقى موقفًا نظريًا، بل تترتب عليه نتائج خطيرة، منها:
• إسقاط التمثيل الفلسطيني أمام العالم
• إعطاء الاحتلال الذريعة الأهم: “لا يوجد شريك فلسطيني”
• تحويل القضية من قضية تحرر وطني إلى صراع ديني يُعزل عالميًا ويُستباح سياسيًا

وهذا، شئنا أم أبينا، خدمة مجانية لمشروع الاحتلال.

أما الاتفاقيات السياسية، فهي ليست قرآنًا ولا قدرًا أبديًا، بل أدوات تُراجع وتُلغى وتُغيَّر حين تتغير موازين القوى.
لكن وجودها – حتى مع الاعتراض عليها – حفظ اسم فلسطين حيًا على الطاولة الدولية، ومنع شطبها نهائيًا.

رابعًا: تناقض الخطاب الرافض باسم الدين
من المفارقات اللافتة أن بعض من يرفض منظمة التحرير بحجة “العلمانية”، يستخدم في الوقت نفسه:
• الاعتراف الدولي الذي انتزعته المنظمة
• المنابر السياسية التي فتحتها
• لغة القانون الدولي التي فرضتها

هذا انتقاء انتهازي من الواقع، لا موقف مبدئي، وهو تناقض لا يستقيم شرعًا ولا عقلًا.

الخلاصة
نعم، فلسطين أرض وقف إسلامي.
ونعم، التفريط الدائم محرّم.
لكن:
• تعطيل السياسة
• وتجريم كل حل مرحلي
• وإسقاط التمثيل الوطني
• وشيطنة المشروع الوطني باسم الدين

ليس فقهًا، ولا جهادًا، ولا غيرة على فلسطين،
بل فوضى فكرية تُلبس لبوس الدين، وتخدم الاحتلال من حيث لا تدري أو لا تريد.

القضية الفلسطينية أكبر من المزايدات،
وأقدس من أن تُختطف بالشعارات،
وأعمق من أن تُدار بفقه الغضب لا فقه المصلحه والمآلات