في خضمّ المساءلات الكبرى التي عرفها تاريخنا الحديث، يبرز مفهوم المواطنة وقد تعرّض لكثير من التشويه والابتسار، ما يستدعي جهداً واعياً لإعادة المصطلحات إلى أصولها الصحيحة، وتنقية مدلولاتها من الالتباس. فالمواطنة ليست شعاراً عابراً، بل علاقة عضوية بين الفرد والوطن والدولة، تقوم على منظومة من القوانين والتشريعات، والثقافة، والممارسة المسؤولة، وما يترتّب عليها من حقوق وواجبات متبادلة.
المواطنة علاقة تعاقدية أخلاقية وقانونية بين الدولة وأبنائها: يلتزم المواطن بالولاء واحترام القانون، مقابل حصوله على حقوقه المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهي تتجلّى في المساواة وتكافؤ الفرص، وعدم التمييز على أساس الدين أو المذهب أو الجنس أو العرق أو الانتماء السياسي أو الاجتماعي، وتتحقّق عبر تشريعات عادلة، وقضاء نزيه، ومشاركة حقيقية في الحياة العامة، من التعليم والصحة، إلى حرية الفكر والانتماء السياسي، وتولّي المناصب، وصنع القرار.
ولا يزال الجدل قائماً حول مرجعية المواطنة: هل هي ثمرة الحداثة وحدها، أم امتداد لقيم تاريخية ودينية أقدم؟ فهناك اتجاه حداثي يرى المواطنة نتاجاً للحرية والمساواة والمشاركة، واتجاه تقليدي يعيدها إلى الأديان والتشريعات القديمة. غير أن الحقيقة أن المواطنة تطوّرت عبر سيرورة تاريخية طويلة، وأن كثيراً من مبادئها ضاربة في عمق التاريخ الإنساني، حملتها الأديان والنواميس القديمة في صيغها الأولى.
فالدولة الوطنية الحديثة، التي تبلورت خلال القرون الثلاثة الماضية، تقوم على مبدأ جوهري: “الدولة لكل مواطنيها”، دون تمييز. وهذا المبدأ له جذور روحية وأخلاقية في الرسالات السماوية التي أكّدت كرامة الإنسان وحقه في العدل والاستخلاف في الأرض، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.
والحقوق، تاريخياً، ليست ثابتة؛ فهي تختلف باختلاف الأزمنة والأديان والدول، لكن جوهرها واحد: الكرامة، والعدل، والمساواة. وقد عبّرت حضارات الشرق القديم عن هذه القيم بوضوح، كما في فلسفة كونفوشيوس التي مجّدت المحبة والعدل والإخاء، ودعت إلى المساواة ونبذ الكِبر، ورأت العالم قرية إنسانية واحدة يتعاون فيها العقلاء لنشر السلام.
كما جسّدت شريعة حمورابي في بابل القديمة (القرن الثامن عشر قبل الميلاد) إحدى أقدم محاولات تقنين العدل، حين دوّن 282 مادة قانونية هدفت إلى كبح شريعة الغاب، ونصرة المظلوم، وإنصاف المرأة، وكانت لبنات أولى لفكرة المواطنة بمعناها الأخلاقي والقانوني.
ختاماً، يمكن القول إن حضارات الشرق القديم، ومنها الحضارة العربية، أسهمت بعمق في ترسيخ قيم العدل والكرامة والمساواة. وهي التي مهّدت، فكرياً وأخلاقياً، لولادة مفهوم المواطنة الحديثة التي تبلورت بوضوح بعد الثورة الفرنسية عام 1789، على يد فلاسفة مثل روسو ومونتسكيو وفولتير، تحت شعارات الحرية والمساواة والعدل وإحقاق الحق. فالمواطنة ليست قطيعة مع الماضي، بل ثمرة تاريخه المتراكم، حين يُقرأ بعين العقل والإنصاف.








