الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران: هل نحن أمام نهاية نظام وبداية عالم جديد؟

بقلم: د. صالح الشقباوي

باحث سياسي واجتماعي
لم تعد احتمالات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد سيناريوهات نظرية أو أدوات ضغط تفاوضي، بل باتت جزءاً من بنية الصراع الدولي والتحول الجيوسياسي العميق الذي يشهده النظام العالمي. فالسؤال لم يعد: هل ستقع المواجهة؟ بل: ما شكلها؟ وما نتائجها؟ ومن سيدفع أثمانها؟
أولاً: أهداف الحرب الأمريكية – الإسرائيلية
الهدف المعلن يتمثل في تحجيم إيران ومنعها من امتلاك قدرة ردع استراتيجية، سواء نووية أو صاروخية، وإعادة ضبط موازين القوى في الشرق الأوسط بما يضمن التفوق الإسرائيلي المطلق. أما الهدف غير المعلن، فهو كسر نموذج الدولة الممانعة التي استطاعت، رغم العقوبات والحصار، بناء نفوذ إقليمي متعدد الساحات.
إسرائيل ترى في إيران تهديداً وجودياً، لا بسبب السلاح فقط، بل بسبب الفلسفة السياسية التي تقوم على كسر احتكار القوة والهيمنة. أما الولايات المتحدة، فترى في إيران عائقاً بنيوياً أمام إعادة إنتاج قيادتها للنظام الرأسمالي العالمي في مرحلة ما بعد التفرد الأحادي.
ثانياً: هل الحرب ممكنة أم مستحيلة؟
المفارقة أن الحرب – بمعناها الكلاسيكي – قد لا تقع. فإيران لا تفكر بمنطق الحروب الطويلة، بل بمنطق الضربة الكاسرة. وفي حال تعرضت لهجوم وجودي، فإنها قد تلجأ إلى استخدام كامل مخزونها الصاروخي الاستراتيجي دفعة واحدة، ما يضع إسرائيل أمام اختبار غير مسبوق، قد تعجز منظوماتها الدفاعية عن تحمله.
هنا يصبح ما يُعرف بـ«خيار شمشون» – أي الهدم على الجميع – جزءاً من معادلة الردع، لا مجرد تهديد إعلامي.
ثالثاً: محور الرد الإقليمي
أي مواجهة لن تبقى محصورة بين طهران وتل أبيب. فمحور طهران – بيروت – بغداد – صنعاء ليس تحالفاً شكلياً، بل بنية استراتيجية قائمة على وحدة الساحات. حزب الله في لبنان، الفصائل العراقية، أنصار الله في اليمن، جميعهم يمتلكون القدرة على فتح جبهات متزامنة، ما يحول الصراع إلى حرب إقليمية شاملة، تتجاوز قدرة الولايات المتحدة على التحكم بإيقاعها.
رابعاً: روسيا والصين… هل تقفان متفرجتين؟
من الوهم الاعتقاد أن روسيا والصين ستسمحان بسقوط إيران. فإيران ليست مجرد حليف، بل ركيزة أساسية في مشروع التعددية القطبية. دعم موسكو وبكين لن يكون بالضرورة عسكرياً مباشراً، لكنه سيكون حاسماً سياسياً، اقتصادياً، واستراتيجياً، بما يمنع واشنطن من تحقيق نصر نظيف أو سريع.
خامساً: الداخل الإيراني… غضب أم اختراق؟
التحركات الشعبية في إيران تعكس أزمات اقتصادية حقيقية وضغوطاً اجتماعية، لكنها لا تعني بالضرورة انهيار العقد الوطني. نعم، هناك محاولات اختراق وتوظيف خارجي، لكن اختزال الشارع الإيراني في كونه أداة أمريكية أو صهيونية هو تبسيط مخل. التجربة التاريخية تثبت أن الضغط الخارجي غالباً ما يعيد إنتاج التماسك الداخلي في الدول المستهدفة.
أخيراً: هل نحن أمام نهاية أمريكا؟
قد لا تكون هذه الحرب – إن وقعت – نهاية الولايات المتحدة، لكنها قد تكون نهاية دورها كقائد أوحد للنظام العالمي. فالعالم يتغير، وموازين القوة لم تعد تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل بالقدرة على الصمود، وبناء التحالفات، وفرض معادلات ردع جديدة.
إيران، في حال صمدت أو فرضت توازناً جديداً، لن ترسم فقط مستقبل المنطقة، بل ستساهم في ولادة عالم مختلف… عالم ما بعد الهيمنة.إ