الضفة الغربية تُدفع نحو نكبة جديدة

السياسي – لا تقتصر الإبادة الجماعية التي تنفذها دولة الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني على قطاع غزة وحده، بل تمتد اليوم بوضوح إلى الضفة الغربية، حيث تتجلى ملامح نكبة جديدة من خلال التدمير المنهجي لمخيمات اللاجئين وتهجير سكانها، في مسعى واضح لتفريغ الأرض ومحو الوجود الفلسطيني.

ويظهر ذلك بجلاء في مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم، التي تحولت إلى كتل من الركام بفعل القصف والهدم المتعمد، وأُفرغت من سكانها قسرًا، في رسالة إسرائيلية صريحة مفادها أن مقاومة الاحتلال تقابل بالتدمير الشامل، وأن الإبادة سياسة لا تقتصر على جغرافيا واحدة.

ويقوم هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني الممتد منذ عقود، على أشكال متعددة من الطمس والإقصاء. وبينما انشغل العالم – ولو من منظور مشوّه – بكارثة غزة، واصلت إسرائيل تنفيذ خططها في الضفة الغربية بهدوء نسبي، مستفيدة من غياب التغطية الدولية المكثفة.

وتتجسد هذه السياسة في التوسع الاستيطاني المتسارع، وهجمات المستوطنين على المزارعين تحت حماية الجيش، وسرقة المواشي، وتدمير المدارس والمنازل، والتهجير القسري في الشيخ جراح وسلوان بالقدس الشرقية، في محاولات ممنهجة لتفكيك المجتمع الفلسطيني وقطع صلته بأرضه.

-«عملية الجدار الحديدي»

بين 21 يناير و9 فبراير 2025، أطلقت دولة الاحتلال ما سمّته «عملية الجدار الحديدي»، مستهدفة ثلاثة مخيمات للاجئين في شمال الضفة الغربية، بزعم ملاحقة عناصر المقاومة.

وعلى مدار 19 يومًا، أُجبر نحو 40 ألف لاجئ على النزوح القسري من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، عبر عمليات اقتحام نفذتها قوات خاصة مدججة بالسلاح، مدعومة بالمركبات المدرعة والطائرات المسيّرة والجرافات.

وقال رئيس اللجنة الشعبية في مخيم نور شمس: «كما في غزة، يحاولون تصوير المخيمات كمراكز للإرهاب، بينما الحقيقة أن المقاومة هي تعبير عن السعي للحرية. (إسرائيل) تصنف جميع الفلسطينيين أهدافًا مشروعة».

ووصفت وكالة «الأونروا» هذه الحملة بأنها «أوسع وأطول أزمة نزوح في الضفة الغربية منذ عام 1967»، مشيرة إلى أن 43% من مخيم جنين، و35% من نور شمس، و14% من مخيم طولكرم تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي.

-فصل عنصري يومي

حتى الوصول إلى هذه المخيمات يكشف واقع نظام الفصل العنصري. فبينما ترتبط المستوطنات بشبكة طرق سريعة مفتوحة، يُجبر الفلسطينيون على سلوك طرق ملتوية مليئة بالحواجز والأنفاق المغلقة. رحلة تستغرق 20 دقيقة للمستوطن قد تمتد إلى ثلاث ساعات للفلسطيني.

وفي الطريق، تنتشر الأعلام الإسرائيلية الضخمة على جانبي الطرق، في مشهد يراه الفلسطينيون أداة ترهيب دائمة. قرى مثل سنجل أُغلقت مداخلها بأسلاك شائكة وبوابات عسكرية، بلا أي مبرر سوى منطق الاحتلال.

وفي طولكرم ونور شمس، المشهد لا يختلف كثيرًا عن غزة. مخيم نور شمس تحوّل إلى مدينة أشباح بعد تدمير نحو ثلث مبانيه، وشق طرق عريضة في قلبه لتسهيل حركة الدبابات. منازل تحولت إلى ثكنات عسكرية، وأخرى وُسمت بنجمة داود.

وقد قطع الجيش الإسرائيلي الكهرباء والمياه والاتصالات فور دخوله المخيمات، وأُجبر السكان على النزوح بلا مأوى. لجأ بعضهم إلى أقارب، فيما احتمى آخرون بالمساجد والمدارس وقاعات الأفراح، في ظروف إنسانية قاسية.

قال أحد النازحين: «لم نحمل معنا شيئًا. خلال أيام قليلة، أُفرغ المخيم بالكامل، ودُمرت منازلنا أو أُحرقت».

-حياة على حافة البقاء

يعيش عشرات اللاجئين منذ شهور في مدارس غير مكتملة، يتقاسمون غرفًا ضيقة ومرافق شبه معدومة. غسالة واحدة، حمام واحد، وانعدام الخصوصية. تقول نادية: «كانت الحياة في المخيم صعبة، لكنها لم تكن بهذه القسوة».

ومع دخول الحظر الإسرائيلي على عمل «الأونروا» حيز التنفيذ، توقفت المساعدات الأساسية، ما فاقم الأزمة. يُمنع السكان من إعادة البناء، ويُحرمون من العودة حتى إلى أنقاض منازلهم.

ويرى سياسيون وحقوقيون أن ما يجري ليس مجرد عملية عسكرية، بل محاولة لتصفية مخيمات اللاجئين بوصفها شاهدًا حيًا على نكبة 1948.

يقول عضو المجلس التشريعي حسن خريشة إن ما يحدث هو «إبادة صامتة»، تستهدف القضاء على فكرة المخيم وحق العودة معًا.

ويؤكد اللاجئون أن تدمير المخيمات وطرد سكانها يهدف إلى إنهاء وضعهم القانوني والسياسي، وطمس ذاكرتهم الجماعية. ومع ذلك، يتمسكون بحقهم التاريخي في العودة، ليس فقط إلى المخيمات، بل إلى القرى والمدن التي هُجّروا منها.

كما قال نهاد شاويش: «يريدون إنهاء وضع اللاجئ عبر تدمير المخيم، وبالتالي تصفية حق العودة. لكن المخيم محطة مؤقتة، وحقنا في العودة إلى أرضنا لن يسقط مهما دمروا».