السياسي –
يلاحظ كثير من المستخدمين أن أدوات الذكاء الاصطناعي، رغم تطورها وتسارع قدراتها، لا تنجح في التماهي الكامل مع أسلوبهم الشخصي، حتى بعد تدريبها المكثف. والسبب، كما تكشف تجربة صحافية أمريكية، أعمق مما يبدو.
لعدة أشهر، حاولت أماندا كاسويل، الصحافية في موقع “تومس غايد”، دفع روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى القيام بمهمة بدت بسيطة: أن تكتب بأسلوبها. تقول كاسويل إنها غذّت النماذج بمئات المقالات والرسائل النصية والبريد الإلكتروني الخاصة بها، وصححت النبرة، وعدّلت الصياغة، وطلبت صراحة محاكاة صوتها الكتابي.
لكن النتيجة، كما تصفها، كانت دائمًا واحدة: “النص جيد تقنياً، الجمل واضحة ومتقنة، لكن الإيقاع خاطئ، والمشاعر غائبة. الكتابة مصقولة، لكنها بلا روح”.
ورغم أن نماذج مثل Gemini 3 تُظهر سرعة لافتة في الأداء، فإنها لا تزال تتعثر عند أدق الفروق الأسلوبية: الفرق بين الثقة والبرود، بين الود والسخرية، وبين البساطة والتكلف.

محاكاة الشكل.. لا القرارات الخفية
توضح كاسويل أنها اختبرت 5 من أشهر برامج الدردشة الآلية، لا لتسليمها مهمة الكتابة بالكامل، بل لمساعدتها في الأعمال اليومية السريعة: صياغة بريد إلكتروني بنبرتها، أو تحويل نقاط إلى رسالة Slack تبدو وكأنها صادرة عنها فعلًا.
وتقول: “إذا سبق لك أن طلبت من الذكاء الاصطناعي إعادة صياغة رسالة أو تقليد أسلوبك، فغالباً شعرت بذلك التباين الغريب، حتى لو لم تستطع تسميته”.
وهنا، تحديداً، تكمن المفارقة. فالذكاء الاصطناعي بارع في محاكاة طول الجمل، والمفردات، وحتى الإيقاع العام، لكنه يفشل في فهم ما تسميه كاسويل “القرارات غير المرئية”، تلك الاختيارات الدقيقة التي يتخذها الكاتب البشري في كل سطر: ماذا يقول، وماذا يتجاهل، وأين يتوقف.

الإفراط في الشرح ونزع روح النص
عند مقارنة مسوداتها الأصلية بنسخ الذكاء الاصطناعي، لاحظت كاسويل فجوتين واضحتين:
أولًا: مشكلة الإغفال.. فالذكاء الاصطناعي، بدافع المساعدة، يميل إلى الشرح الزائد وملء الفراغات، بينما يعرف الكاتب البشري متى يتوقف، ومتى يترك مساحة للقارئ.
ثانيًا: فجوة الأسلوب.. إذ يميل الذكاء الاصطناعي افتراضياً إلى نبرة مهذبة أو رسمية أكثر من اللازم. تقول كاسويل: “إنه ينعّم الجمل إلى درجة تُفقدها جوهرها، أسمي هذا نزع روح النص”.
الكتابة العظيمة تكسر القواعد.. والذكاء الاصطناعي لا يجرؤ
تشير كاسويل إلى نقطة أكثر جوهرية، وهي أن الذكاء الاصطناعي مُدرَّب على القواعد والأنماط، بينما تُعرّف الكتابة الجيدة غالباً بقدرة الكاتب على كسر تلك القواعد بوعي لتحقيق أثر فني أو عاطفي.
وتضيف: “المشكلة ليست في نقص الذكاء، بل في غياب المسؤولية”.
فالكاتب يشعر بثقل الكلمة، وبمخاطر سوء الفهم أو الملل، أما الذكاء الاصطناعي فلا يشعر بشيء. ونتيجة لذلك، يميل إلى اختيار الصيغة الآمنة، ويتنبأ بما قد يقوله كاتب نمطي، لا بما يريد الكاتب الحقيقي قوله فعلًا.
تجربة أدبية تكشف الفارق
لاختبار ذلك عملياً، طلبت كاسويل من الذكاء الاصطناعي كتابة مشهد من رواية خيال علمي، يكتشف فيه فنيّ أن الذكاء الاصطناعي في سفينة فضائية يرسل تقارير مزيفة إلى الأرض مستخدماً صوتها. والنتيجة؟”جيميني كتب ملخصاً للحبكة، بينما كتبتُ أنا المشهد”.
نسخة الذكاء الاصطناعي، كما تقول، كانت صحيحة وظيفياً، لكنها باردة، تشبه تقرير شرطة: تُخبرك بما حدث، لكنها لا تُشعرك بثقله. أما نسختها، فاعتمدت على المفارقة والرعب الكامن في المنطق، وعلى استعارات لا يمكن تعليمها بالبيانات وحدها.
الذكاء الاصطناعي.. وجبة مجمّدة لا أكثر
تلخص كاسويل التجربة بتشبيه لافت: “الكتابة بالذكاء الاصطناعي تشبه تسخين وجبة مجمّدة. تُنجز المهمة بسرعة، لكنك دائماً تستطيع تمييزها عن وجبة أُعدّت بعناية”.
وتؤكد أن الذكاء الاصطناعي ليس عديم الفائدة، فهي تعتمد عليه في وضع المخططات، وتوليد الأفكار، وكتابة الملخصات. لكن المشكلة تبدأ عندما يُسلم له زمام النص بالكامل.
المهارة الأهم في عصر الذكاء الاصطناعي
مع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي، ترى كاسويل أن المهارة الحقيقية لن تكون معرفة كيفية استخدامه، بل معرفة متى يجب تجنبه.
فالذكاء الاصطناعي قد يساعدك على العمل أسرع، لكنه لا يزال عاجزاً عن تحديد ما يستحق أن يُقال، أو كيف يجب أن يُقال.







