المرزوقي : الدكتاتور يُعرَف لحظة الهروب لا لحظة البطش

السياسي – جدّد الرئيس التونسي السابق الدكتور منصف المرزوقي انتقاداته الحادة للأنظمة الاستبدادية العربية، معتبرًا أن لحظة سقوط الدكتاتور وهروبه هي اللحظة الكاشفة لحقيقته، مهما حاول أنصارُه تلميع صورته أو تبرير جرائمه.
وفي تدوينة نشرها على صفحته الرسمية على “فيسبوك” في الذكرى الرابعة عشرة لهروب الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، قال المرزوقي إنه لم يكره في حياته سوى “القبح والشر، والإعلام التونسي”، في إشارة إلى ما وصفه بـ”إعلام العار”، مقابل تأكيده أنه لم يحترم إلا ثلاث قيم أساسية: النزاهة والذكاء والشجاعة، متسائلًا كيف يمكن لأشخاص “ارتكبوا جرائم بحق شعوبهم” أن يحظوا إلى اليوم بإعجاب أو تعاطف.
وعقد المرزوقي مقارنة بين نماذج مختلفة من القادة عند الهزيمة، مستبعدًا نموذج “الانتحار الطقوسي” كما في الثقافة اليابانية، لاعتبارات دينية وثقافية، لكنه استحضر في المقابل نموذج الرئيس التشيلي الراحل سلفادور أليندي، الذي قُتل داخل القصر الرئاسي في انقلاب 1973 وهو يدافع عن نظامه وسلطته “بسلاحه في يده”.
ودعا المرزوقي إلى تجاهل، ولو مؤقتًا، سجلّات التعذيب والتوريث والتزوير التي ارتبطت بالأنظمة الاستبدادية، والتركيز فقط على “كيفية فرارها” في لحظة السقوط، معتبرًا أن الهروب وترك المقربين والشعوب لمصيرها يكشف جوهر تلك الأنظمة وقادتها.
وفي هذا السياق، استعرض المرزوقي أمثلة لعدد من القادة العرب الذين انتهت أنظمتهم بالهروب أو السقوط، مشيرًا إلى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي اختبأ لأشهر قبل اعتقاله، في مشهد قال إنه شعر فيه “كعربي بالإهانة”، وكذلك إلى العقيد الليبي معمر القذافي، الذي قُتل بعد فراره، مؤكدًا أنه استنكر مقتله “من منطلق حقوقي” رغم معارضته الشديدة لنظامه.
كما أشار إلى الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، متهمًا إياه بالفرار وترك “أقرب الناس إليه”، معتبرًا أن ما تحمّله الشعب السوري من معاناة كان ثمنًا باهظًا لشخص “عديم القيمة السياسية والأخلاقية”، على حد تعبيره.
وفي عودته إلى السياق التونسي، أكد المرزوقي أن بن علي “فرّ بعد أن سبقته أمواله إلى الخارج بسنوات”، تاركًا وراءه أنصارًا قال إنهم يرفعون صوره اليوم “لأنهم بلا ذاكرة”، في إشارة إلى محاولات إعادة تلميع النظام السابق.
وختم المرزوقي تدوينته بتأكيده أن بقايا الاستبداد، بمن فيهم من وصفهم بـ”المنقلبين المختفين تحت الطاولة طيلة عقود النضال”، ينتمون إلى “الطينة نفسها”، وسيكون مصيرهم الهروب إن أفلتوا مؤقتًا من المحاسبة، قبل أن يشدد على أن الخلاص من الدكتاتورية لن يتحقق إلا عندما يتعلم الشباب “ألا يخافوا من الجبناء الذين يعوضون نقصهم الداخلي بالعنف”، مستشهدًا بالمثل القائل: “أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة”.

وفي 14 يناير/كانون الثاني 2011، طوى التونسيون صفحة واحدة من أكثر فصول الاستبداد رسوخًا في تاريخهم الحديث، مع هروب الرئيس الراحل زين العابدين بن علي خارج البلاد، إثر انتفاضة شعبية غير مسبوقة انطلقت من الجهات المهمشة وامتدت إلى كامل التراب التونسي.
ذلك الحدث لم يكن مجرد سقوط رأس النظام، بل مثّل لحظة فارقة دشّنت أول ثورة عربية ناجحة تطيح بحكم استمر أكثر من 23 عامًا، وفتحت الباب أمام مسار ديمقراطي تعددي اعتُبر آنذاك الاستثناء الإيجابي في محيط عربي مضطرب.
خلال السنوات اللاحقة، نجحت تونس في إرساء مكاسب سياسية ودستورية مهمة، أبرزها دستور 2014، وتداول سلمي على السلطة عبر انتخابات حرّة، واتساع هامش الحريات العامة والفردية، رغم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية العميقة، وتباطؤ الإصلاحات، وصراعات النخب الحاكمة.
غير أن هذا المسار بدأ يتعرض لانتكاسة حادة مع إعلان الرئيس قيس سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021 إجراءات استثنائية شملت تجميد البرلمان ثم حله لاحقًا، وتركيز السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بيده، في ما اعتبرته قوى سياسية ومنظمات حقوقية انقلابًا على الدستور وعلى مكتسبات ثورة 2011.
ومنذ ذلك التاريخ، دخلت تونس مرحلة جديدة اتسمت بتراجع الحريات، وتضييق على المعارضين، وإعادة إنتاج أنماط الحكم الفردي، ما أعاد إلى الواجهة سؤال الثورة: كيف نجحت في إسقاط الاستبداد، ولماذا تعثّر انتقالها الديمقراطي؟