السياسي – يؤكد باحث إسرائيلي ومستشار في مجال السياسات الجماهيرية أن إسرائيل لم تكن يوماً دولة ديمقراطية ليبرالية، وذلك تعقيباً على تصريح رئيس المحكمة الإسرائيلية العليا السابق، أهارون باراك، الذي قال قبل أيام إن إسرائيل لم تعد دولة ليبرالية.
وفي مقال نشرته صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، قال الباحث تال ألوفيتش إن البروفيسور أهارون باراك أكد للمتظاهرين، خلال التظاهرة الأسبوعية في تل أبيب ضمن الاحتجاجات من أجل الديمقراطية، أن إسرائيل لم تعد ديمقراطية ليبرالية. غير أن ألوفيتش يذهب أبعد من ذلك، متسائلاً في مقاله: متى كنا حقاً دولة ديمقراطية ليبرالية؟
ويرى ألوفيتش أن تآكل الديمقراطية الإسرائيلية هو مسار متواصل، بلغ ذروته فقط مع الهجوم الأخير على الجهاز القضائي. ويضيف: «في الواقع، إن توصيف ’ديمقراطية ليبرالية‘ لم يعكس يوماً الواقع المركّب في إسرائيل بأمانة. ويكمن جذر المشكلة في الفجوة بين الصورة الذاتية التي غذّيناها على مدى أعوام، وبين التجاهل المزمن لتحديات جوهرية تمسّ بالطابع الديمقراطي للدولة، والتي يتم إخفاؤها بخطاب الوحدة».
ويتابع: «تتباهى إسرائيل بسِمات ديمقراطية، مثل إجراء الانتخابات، والاقتصاد المزدهر، ووجود أعضاء كنيست عرب، وحتى الحقوق المتقدمة للمثليين. إن ’أمة الستارت-أب‘ تخصّصت في بيع كذبة الديمقراطية الليبرالية الإسرائيلية؛ إنهم أبطال في تسويق الصورة، لكن تحت السطح تغرق البنية القيمية التي يُفترض أن تقوم عليها الديمقراطية الليبرالية».
فقدان دستور
وبحسب ألوفيتش، فإن إسرائيل عملياً لم تنجح قط في مواجهة غياب دستور مكتوب بشكل جدي يحمي حقوق الإنسان والمواطن، كما امتنعت عن الحسم بشأن حدودها بصورة صارخة، وفيما يتعلق بطبيعة نظامها، وبمصير الفلسطينيين الخاضعين لسيطرة عسكرية مطولة.
ويتابع قائلاً: «هكذا، على سبيل المثال، نشأ وضع عبثي يُجنَّد فيه أبناء الثامنة عشرة بصورة اعتيادية لمهمات السيطرة على سكان مدنيين، وما زالوا يعتقدون أنهم يعيشون في ديمقراطية سليمة. يمرّ شبان إسرائيليون في مناطق الضفة الغربية بتجارب تؤدي إلى مشكلة في الوعي، تتعلق بالسيطرة العسكرية على سكان مدنيين، ويعتادون التفكير بمنطق ’نحن وهم‘. وتعود هذه التصورات لتتسرّب إلى الخطاب الإسرائيلي، وتؤثر في طريقة تصوّرنا لقضايا حقوق الأقليات، وحرية التعبير، وفصل السلطات، والخلافات السياسية».
فصل زائف
ويؤكد الباحث أن الفصل الزائف بين إسرائيل «المدنية» وإسرائيل «العسكرية» أتاح تجاهل خطورة الوضع، إذ فضّل كثيرون إزاحة عدم حلّ القضية الفلسطينية إلى خارج الوعي، استناداً إلى قاعدة أن «ما يجري خلف الخط الأخضر يبقى هناك».
لكن ألوفيتش يشدد على أن مشكلة الديمقراطية الإسرائيلية لا تنتهي عند أراضي الضفة الغربية، ويتساءل: «هل تعرفون ديمقراطية ليبرالية تُملِي فيها الديانة سلوك الحيز العام؟ ديمقراطية ليبرالية تمنعكم من الزواج خارج المسارات الدينية؟ هل حرية التعبير لدينا، نحن كمواطنين، مقنّنة في أي قانون؟ وماذا عن حرية الصحافة؟».
ويرى ألوفيتش أن الإجابة عن كل ذلك هي: لا. ويؤكد أن الطريق إلى تحويل إسرائيل إلى ديمقراطية ليبرالية ليست سهلة، وليست طريقاً نحتاج فقط إلى العودة إليها، كما قد يُفهم من بين سطور كلام البروفيسور باراك.
ويمضي في رسم حقيقة إسرائيل كدولة احتلال قائلاً: «ليس صحيحاً أنه حتى الرابع من كانون الثاني/يناير 2023، عشية خطاب ليفين، كنا ديمقراطية ليبرالية. لقد كنا ديمقراطية معطوبة، وعلينا أن نعترف بذلك. إن رحلة إسرائيل نحو الديمقراطية الليبرالية تتطلب تغييرات من الأساس. نحتاج إلى دستور (أو إطار قوانين) مستنير يحمي حقوق الفرد، وإلى إيجاد حلّ للصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، وإلى جهد صادق لتقليص الفجوات والتمييز».
وكان ألوفيتش يشير في هذا إلى إعلان وزير القضاء آنذاك ياريف ليفين عن خطة الإصلاح القضائي التي عدّتها المعارضة انقلابا قضائيا.
ومع ذلك، يرى الباحث الإسرائيلي أنه رغم الصعوبات، ثمة بصيص أمل، ويعلل رؤيته بالقول: «فالمجتمع المدني الإسرائيلي يُظهر التزاماً عميقاً إزاء فكرة الديمقراطية الليبرالية واستعداداً للإصلاح، وهذا دليل على أن الجمهور لم يفقد إنسانيته. إن كنا نبتغي الإصلاح، فعلينا أن نستوعب أن الطريق إلى الديمقراطية الليبرالية تمرّ بدولة يكون فيها جميع المواطنين متساوين، وليس ديمقراطية ليبرالية لليهود وحدهم».
ويخلص إلى القول إنه «لا ديمقراطية تفقد صلتها بعد 15 كيلومتراً شرقي قلب تل أبيب»، مضيفاً أن «وحده الالتزام العميق بالقيم الديمقراطية، والعمل المتّسق على ترجمتها إلى واقع عملي، داخل الخط الأخضر وخارجه، يمكن أن يضمن مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية».









