أستاذ الفلسفة والعلوم الاجتماعية
جامعة الجزائر 2
قراءة فلسفية – سياسية في العقلانية، توازن القوى، وحماية الذات الوطنية
تمهيد فلسفي
يُدار المشروع الوطني الفلسطيني في واحد من أعقد السياقات التاريخية والسياسية في العالم المعاصر، حيث يتقاطع الاستعمار الاستيطاني مع اختلال فادح في موازين القوى، ومع إنكار صهيوني بنيوي لوجود شعب وهوية ووطن فلسطيني. ضمن هذا السياق، تبرز فلسفة الرئيس محمود عباس (أبو مازن) بوصفها فلسفة عقلانية حديثة، لا تنطلق من وهم القوة ولا من استسلام الضعف، بل من إدارة الوجود الفلسطيني بوصفه ذاتًا تاريخية يجب حمايتها من الإلغاء.
أولاً: ماهية المشروع الوطني عند أبو مازن
يرتكز المشروع الوطني للرئيس أبو مازن على مسلّمة فلسفية مركزية مفادها أن القضية الفلسطينية هي أولاً قضية وجود وهوية قبل أن تكون قضية أدوات نضال. ومن هنا، فإن الدولة الفلسطينية ليست مجرد كيان سياسي، بل تجسيد رمزي وتاريخي لحق الفلسطيني في الأرض والزمن والمعنى.
لقد حرص أبو مازن على:
تثبيت منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
حماية وحدة الهوية الوطنية ومنع تفكيكها إلى هويات متصارعة أو مشاريع بديلة.
صون الرموز الوطنية الفلسطينية من التآكل أو الاستبدال، في مواجهة مشروع صهيوني يسعى إلى محوها أو تشويهها.
ثانياً: العقلانية السياسية بوصفها منهج حكم
تنتمي فلسفة أبو مازن إلى العقلانية السياسية المعاصرة التي تعترف بحدود الممكن التاريخي، دون التنازل عن الثوابت. فهو لا يتعامل مع السياسة بوصفها مغامرة، بل بوصفها إدارة واعية للصراع.
هذه العقلانية تتجلى في:
الإصرار على الحل السياسي القائم على الشرعية الدولية.
رفض العنف كوسيلة وحيدة أو مطلقة لحسم الصراع.
تحويل الصراع من ساحة القوة العسكرية غير المتكافئة إلى ساحة القانون الدولي والاعتراف الأممي.
وهنا، لا تعني العقلانية التراجع، بل تعني حماية الذات الوطنية من الاستنزاف الوجودي.
ثالثاً: فلسفة توازن القوى وإدارة الصراع
يدرك الرئيس أبو مازن أن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي محكوم باختلال صارخ في موازين القوى. لذلك، فإن فلسفته تقوم على إدارة هذا الاختلال لا تجاهله.
في هذا الإطار:
يرفض تحويل الشعب الفلسطيني إلى وقود لصراع غير متكافئ.
يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى عبر السياسة والدبلوماسية والشرعية الدولية.
ينسجم مع فلسفة “توازن القوى” بوصفها أداة لحماية الحقوق في ظل الضعف النسبي.
هذه المقاربة تفوّت الفرصة على اليمين الصهيوني المتوحش الذي يسعى إلى جرّ الفلسطينيين إلى صراع دموي يبرر به إنكار وجودهم.
رابعاً: موقفه من نتنياهو 2009 – دلالة فلسفية
يشكّل لقاء عام 2009 بين أبو مازن ونتنياهو لحظة كاشفة لفلسفة الرجل. حين رفض نتنياهو مناقشة حدود الدولة الفلسطينية وأصرّ على حصر النقاش في “الأمن”، أدرك أبو مازن أن الحديث عن سلام بلا حدود هو حديث عن لا دولة.
انسحابه الفوري من الاجتماع لم يكن موقفًا تكتيكيًا، بل قرارًا فلسفيًا يرفض اختزال القضية الفلسطينية في وظيفة أمنية تخدم الاحتلال. لقد أعلن بذلك أن:
لا سلام بلا حدود، ولا دولة بلا سيادة، ولا مفاوضات تُفرّغ الوجود الفلسطيني من معناه.
خامساً: حماية الذات الفلسطينية كجوهر فلسفي
في عمق فلسفة أبو مازن يكمن مفهوم الحفاظ على الذات الفلسطينية: ذات الشعب، وذات الهوية، وذات المشروع الوطني. هذه الذات مهددة بالإلغاء لا فقط بالسلاح، بل بالتآكل، والانقسام، واليأس، والفوضى.
لذلك، فإن فلسفته:
تحمي الفلسطيني من الانتحار السياسي.
تصون المشروع الوطني من التفكك.
تمنع تحطيم السفينة الفلسطينية على شواطئ الرغبات اليمينية الصهيونية التي لا تعترف أصلاً بوجود شعب فلسطيني.
خاتمة فلسفية
يمكن توصيف فلسفة الرئيس محمود عباس بأنها فلسفة العقل والعقلانية السياسية الحديثة، التي تسعى إلى:
إدارة الصراع لا تأبيده.
حماية الوجود الفلسطيني لا المقامرة به.
تحويل القوة من أداة تدمير إلى أفق اعتراف.
جعل السياسة وسيلة للبقاء لا بديلاً عن الكرامة.
إنها فلسفة قد لا تُرضي دعاة الشعارات، لكنها تُطمئن دعاة الوجود، وتحمي القضية الفلسطينية من السقوط في العدم التاريخي.
بقلم
الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة والعلوم الاجتماعية
جامعة الجزائر 2







