أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني – حشد ورقة بحثية تحليلية بعنوان “القيود الإسرائيلية على العمل الإنساني ومنظمات المجتمع المدني في فلسطين”، أعدّها الباحث محمد اسليم، كشفت فيها عن سياسة متكاملة من القيود التشريعية والإدارية والأمنية التي فرضتها سلطات الاحتلال على العمل الإنساني الدولي ومنظمات المجتمع المدني الفلسطيني خلال عام 2025، والتي تهدف إلى إخضاع الاستجابة الإنسانية لمصالح الاحتلال وتحييد مقاومتها.
وأوضحت الورقة أن هذه القيود لم تكن إجراءات تنظيمية معزولة، بل سياسة ممنهجة اعتمدتها إسرائيل لتقييد إدخال المساعدات الإنسانية، وتجفيف الاستجابة الدولية، واستهداف المنظمات الإنسانية، وعلى رأسها وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، مما أسهم في تفاقم الكارثة الإنسانية، لا سيما في قطاع غزة، في انتهاك خطير للمبادئ الأساسية للعمل الإنساني الدولي.
وأشار التقرير إلى أن سلطات الاحتلال فرضت نظامًا جديدًا لتسجيل المنظمات الدولية غير الحكومية منذ مارس/آذار 2025، يُلزمها بتقديم معلومات حساسة عن موظفيها والشركاء المحليين ومصادر التمويل والأنشطة التشغيلية، ما يشكّل أداة سياسية وأمنية للسيطرة على الفعل الإنساني وتقويض حياده واستقلاله، مخالفًا مبادئ الإنسانية والحياد وعدم التحيّز والاستقلال.
كما بيّن التقرير أن إسرائيل قد عرقلت إدخال المساعدات الإنسانية، ورفضت مئات طلبات دخول المواد الغذائية والطبية ومستلزمات الإيواء بذريعة “عدم الأهلية”، ما أسفر عن احتجاز ملايين الأطنان من الإغاثة خارج القطاع، في سياسة تجويع ممنهجة تمثّل انتهاكًا صارخًا للمادة (55) من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة (8/2/ب/25) من نظام روما الأساسي، اللتين تُلزمان قوة الاحتلال بضمان إمداد السكان المدنيين بالمساعدات الأساسية ومنع استخدام التجويع كأسلوب حرب.
ولفتت الورقة إلى أن الاحتلال استهدف وكالة الأونروا بشكل مباشر عبر منع دخول ما يقارب 6000 شاحنة مساعدات تابعة لها منذ توقيع اتفاق وقف النار، بالإضافة إلى سنّ وتشريع قيود تهدف إلى حظر أو تقييد عمل الوكالة في الأراضي الفلسطينية، في محاولة لتفكيك المظلة الدولية لحماية اللاجئين الفلسطينيين وتقويض ولايتها القانونية.
وأشارت حشد إلى أن القيود الإسرائيلية لم تقتصر على الأونروا، بل امتدت لتشمل منظمات إنسانية دولية كبرى، من بينها أطباء بلا حدود، أوكسفام، كير الدولية، والمجلس النرويجي للاجئين، حيث فُرضت شروط تشغيلية تعسفية، وتأخيرات في منح التصاريح، وعرقلة الأنشطة الحقوقية والمناصرة، ما أدى إلى تقليص نطاق تدخل العديد من المنظمات، وسحب عدد من موظفيها، وزيادة معاناة الفئات الأكثر ضعفًا، خاصة الأطفال، والنساء، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة.
وأبرزت الورقة أن هذه القيود طالَت خطط الاستجابة الإنسانية الدولية، إذ تم تمويل نحو 1.6 مليار دولار فقط من أصل 4 مليارات دولار مطلوبة لخطة الاستجابة الإنسانية والتعافي في 2025، في ظل احتياجات غير مسبوقة، بينما يعيش آلاف النازحين في خيام غير صالحة للسكن، ويعاني الملايين من نقص شديد في المياه والخدمات الأساسية وفقدان سبل العيش.
وأكدت الهيئة الدولية حشد في تقريرها أن هذه السياسات تصنف كانتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وترقى في بعض سياقاتها إلى جرائم حرب، وتمس بحق البقاء والحماية الأساسية للسكان المدنيين في فلسطين.
ودعت الهيئة المجتمع الدولي، بما في ذلك مجلس الأمن، المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ومنظمات العمل الإنساني الدولية، إلى الضغط على الاحتلال لإنهاء القيود المفروضة على العمل الإنساني وضمان دخول المساعدات والمعدات الأساسية دون عوائق، وحماية استقلالية وحياد عمل المنظمات الإنسانية، مؤكدًة أن ذلك يُعد التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا عاجلًا لإنقاذ ما تبقى من حياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.





