ليس التاريخ دفترَ وقائع بريئًا، ولا سجلًّا محايدًا للأيام، بل هو نصٌّ كُتب في الغالب بأقلام الأقوياء، وحُفِر بالحبر والدم معًا. فمنذ أن وعى الإنسان معنى السلطة، صار التاريخ مرآتها الكبرى: يعكس عنفها حينًا، ويخفي جرائمها حينًا آخر، ويزيّن قبحها بلغة الانتصار. لذلك لم يكن التاريخ واحدًا في أعين جميع المؤرخين، لأن كل مؤرخ يرى بعين زمانه، وبقلبه، وبالسلطة التي تملي عليه ما يُقال وما يُسكَت عنه.
هنا يتشظّى التاريخ إلى وجهين:
تاريخ متوحّش، تُكتَب صفحاته بالسيوف والنار والجماجم،
وتاريخ ليّن، تُنقَش لحظاته بالصفح والعدل والكرامة.
أولًا: التاريخ المتوحّش – حين تصير القسوة قانونًا
التاريخ المتوحّش هو تاريخ الدم حين يتحوّل إلى لغة، والعنف حين يغدو سياسة، والقتل حين يُسمّى مجدًا.
هو تاريخ الفتوحات التي تُروى بوصفها أمجادًا، ولا يُذكر فيها إلا نادرًا عدد الأيتام.
هو تاريخ الإمبراطوريات التي سُمّيت عظيمة لأنها سحقت غيرها.
إدوارد جيبون، في “اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها”، رأى أن الحضارات لا تسقط فجأة، بل تتآكل من داخلها حين يفقد الإنسان قيمه، وتتحوّل القوّة إلى غاية لا وسيلة. لكن جيبون لم يرَ التوحّش كما رآه مؤرخونا، لأن لكل عينٍ جحيمها الخاص.
ابن الأثير الجزري رأى ذروة التوحّش في اجتياح المغول لبغداد سنة 1258م، حين صارت الجماجم أبراجًا، والكتب جسورًا في دجلة، حتى تمنى لو لم يولد ليشهد تلك الفاجعة.
وابن إياس الحنفي رأى وحشية التاريخ لا في الجيوش فقط، بل في تحالف الجوع والمرض والظلم، حين يأكل الجائعون دوابّ القضاة، وحين يصير البقاء معجزة يومية.
وفي الذاكرة الغربية، رُئي التوحّش في الحروب الصليبية، وفي الحربين العالميتين اللتين التهمتا نحو مئة وستين مليون إنسان، وفي القنبلة التي لم تقتل البشر فقط، بل قتلت وهم البراءة في العلم.
أما في ذاكرتنا العربية المعاصرة، فالتوحّش لم يعد صفحة من كتاب، بل صار خبزًا يوميًّا: فلسطين منذ 1948، والعراق، واليمن، وسوريا، وليبيا… حيث لم يعد الجلّاد شخصًا واحدًا، بل منظومة كاملة، ولم تعد الضحية فردًا، بل شعبًا يتعلّم الموت كما يتعلّم الأطفال الحروف.
ثانيًا: التاريخ الليّن – حين تقف القيم في وجه السيف
لكن التاريخ، مهما توحّش، لم يخلُ من لحظات ليّنة، نادرة، مضيئة، تشبه الندى في صحراء الدم.
هي لحظات العفو عند المقدرة، حين ينتصر الإنسان على غرائزه، ويختار أن يكون أكبر من انتقامه.
في تراثنا العربي والإسلامي، لا تُختزل العظمة في الفتح فقط، بل في كيفية التعامل مع المهزوم.
حين قال عمر بن الخطاب: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”، لم يكن يؤسّس سياسة، بل أخلاقًا للتاريخ.
وحين دخل النبي محمد مكة منتصرًا وقال: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، كتب صفحة من التاريخ الليّن وسط كتابٍ دموي طويل.
هذا التاريخ الليّن لا تصنعه الجيوش، بل الضمائر.
ولا يخلّده السلاح، بل الذاكرة الأخلاقية للشعوب.
ثالثًا: بين المؤرخ والفنان – عينان للتاريخ
المؤرخ يكتب ما حدث، أو ما سُمِح له أن يكتبه.
أما الفنان، فيكتب ما شعر به الإنسان حين حدث ما حدث.
بابلو بيكاسو لم يؤرّخ لحرب إسبانيا بالأرقام، بل بلوحة “غيرنيكا”، حيث تحوّل الألم إلى شكل، والصرخة إلى لون.
الشاعر، والروائي، والرسّام، لا يسألون: كم قُتل؟ بل: كيف تألّموا؟
ولهذا يكون الفن أصدق من كثير من كتب التاريخ، لأنه يكتب من داخل الجرح، لا من فوقه.
رابعًا: حاضرنا… حين يصير التوحّش ثقافة
ما نعيشه اليوم ليس مجرد عودة للتاريخ المتوحّش، بل تحوّله إلى ثقافة:
ثقافة الكراهية، ثقافة الانتقام، ثقافة تصفية الآخر لا محاورته.
صار الطفل يرى الدم قبل أن يرى الكتاب، ويتعلّم أسماء الأسلحة قبل أسماء الزهور.
الخطر الأكبر ليس في عدد القتلى، بل في اعتياد القتل.
ليس في حجم الخراب، بل في اعتياد الخراب.
حين يصبح التوحّش عاديًّا، يكون التاريخ قد هزم الإنسان من داخله.
خاتمة: أيّ تاريخ نريد؟
التاريخ ليس قدرًا أعمى، بل اختيار متراكم.
إما أن نكتب فصوله بالسكاكين، أو نخطّه بالعدالة.
إما أن نورّث أبناءنا ذاكرة مليئة بالجماجم، أو ذاكرة تعرف كيف تقول: كفى.
التاريخ المتوحّش تصنعه القوّة حين تنفصل عن الأخلاق،
والتاريخ الليّن تصنعه الأخلاق حين تجرؤ على مواجهة القوّة.
وبين هذين الوجهين، يقف الإنسان دائمًا أمام سؤال واحد:
هل نريد أن نُذكَر لأننا انتصرنا،
أم لأننا، حين قدرنا، عفونا؟







