اللجنة الوطنية لغزة: ضمان النجاح أولوية عليا

بقلم: أشرف العجرمي

لا شك أن الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة وبدء تطبيق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يشكل خطوة أولى مهمة على طريق إنهاء الحرب والشروع في عملية الإغاثة والتعافي وإعادة البناء في قطاع غزة. وإذا حصل نوع من الجدل أو اللغط حول التشكيل أو حول بعض الأسماء التي قُبلت أو التي لم تُقبل، فالمهم أن تنطلق هذه العملية وتتوقف عمليات القتل اليومي ويجري الانسحاب الكامل من قطاع غزة، وقبل ذلك فتح معبر رفح وإدخال المساعدات بكميات كبيرة، والسماح بدخول كافة المواد اللازمة لإعادة البناء وحتى للإغاثة بمفهومها الشامل. وليس مهماً من يشغل هذا المنصب أو الموقع أو ذاك، فالأسماء المعلنة هي بلا شك تمثل شخصيات وازنة من المجتمع المدني والقطاع الخاص والأمن.

ويمكن القول إنها على دراية كبيرة بالملفات التي ستضطلع الهيئة بإدارتها.
تشكيل اللجنة الوطنية لا يعني أن الأمور وردية وأنها ستمارس مهامها دون إعاقات، فهي تواجه مجموعة كبيرة من التحديات على مستويات عدة ومن أطراف عديدة. فالتحدي الأبرز يأتي من الاحتلال الإسرائيلي.

فالحكومة الإسرائيلية بلسان رئيسها بنيامين نتنياهو أعلن عدم رضاه عن اللجنة الوطنية الفلسطينية وعن الهيئة التنفيذية المنبثقة عن مجلس السلام والتشكيلات التي أعلنها الرئيس ترامب. وهذا الموقف، الذي شككت فيه وسائل الإعلام الإسرائيلية التي ادعت أن نتنياهو كان في صورة الأمور مع ترامب، لا يبشر بالخير من جانب السلوك الإسرائيلي تجاه اللجنة وتجاه المعابر وحركة الناس والبضائع، وأيضاً وقف عمليات القصف والاستهداف للمواطنين. وهنا من المفروض أن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لتغيير سلوكها.

وهناك تحدٍ آخر محلي يتعلق بتسليم «حماس» كل المسؤوليات المدنية للجنة، لتباشر ترتيب أوضاعها بناء على المعطيات الجديدة بما يتوافق مع القدرة على أداء مهماتها على أكمل وجه. وحركة «حماس» أعلنت استعداها للتسليم، ولكن هناك شروطاً على ما يبدو تضعها الحركة وخاصة موضوع الموظفين الخاصين بها. وفي الواقع اللجنة لا يمكنها تحمّل أي موظف لا تقبل به إسرائيل والجهات الدولية وخاصة الولايات المتحدة. والحل المطلوب لهذه المعضلة هو التسليم بدون شروط، والعمل معاً لدمج الموظفين التابعين للسلطة وقسم من موظفي «حماس» الذين يتم قبولهم. والمسألة الأخرى التي ستطرح نفسها بقوة هي الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تحتلها القوات الإسرائيلية في القطاع حتى يتم البدء في إعادة البناء.

إسرائيل تقول إن الانسحاب مرتبط بتسليم «حماس» لسلاحها، والأخيرة تقول إنها لن تسلم السلاح كله كما تريد إسرائيل. وفي نفس الوقت تتحدث مصادر أميركية أن «حماس» أبلغت الولايات المتحدة أنها مستعدة لتسليم السلاح. وهذه المسألة غاية في الأهمية للانطلاق في مشروع إعادة البناء. و»حماس» عليها مسؤولية كبرى في ضمان تعرية الموقف الإسرائيلي، وعدم منح إسرائيل الذرائع للبقاء في غزة، وتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي وفقاً لخطة ترامب المعتمدة دولياً. فبقاء الاحتلال لغالبية مناطق قطاع غزة يمنع تغيير الواقع وإعادة البناء، ويساهم في خلق الظروف لتنفيذ مخطط التهجير.

ويوجد تحدٍ خاص بالمجتمع الدولي وبالأطراف الإقليمية العربية وغير العربية، يتعلق بحجم المساعدات التي سيتم التبرع بها لإعادة البناء. فإحجام الدول الغنية والممولة عن تقديم الدعم المادي الكافي لإعادة البناء بدون شك سيثقل على العملية ويجعلها تسير ببطء وربما بتعثر، وقد يُطيل أمد معاناة المواطنين لسنوات طويلة قادمة، ويساهم في تعطيل عمل اللجنة الوطنية. وفي هذا السياق فإن التسريع في عملية تسليم سلاح «حماس» ودخول «قوات الاستقرار الدولية» وضمان الأمن في غزة سيساعد كثيراً في تشجيع المانحين على ضخ الأموال لإعادة الإعمار.

وهناك دول بينها دول عربية شقيقة ترفض دفع أي مبلغ لإعادة الإعمار طالما بقي سلاح «حماس» وطالما لم يتم تخلّيها التام عن السلطة مدنياً وأمنياً.

للحقيقة اللجنة الوطنية لإدارة غزة لديها كل المقومات الذاتية للنجاح على مستوى الخطط والدراية بما هو مطلوب، وبعض أعضائها ساهموا في إعداد خطة الحكومة للإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار، ولا ينقص سوى إزالة العراقيل التي تعترض طريقها وتوفير كل السبل لإنجاحها. فهي تشكل خشبة الإنقاذ من الوضع الكارثي الذي يعيشه أبناء شعبنا نتيجة لحرب الإبادة الجماعية التي اندلعت في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر في العام 2023. وضمان نجاح اللجنة هو مسؤولية وطنية عليا على الجميع المساهمة فيه دون تردد أو تلكؤ، بغض النظر عن الظروف التي فُرض فيها هذا الخيار. نحن لسنا في موقع المنتصر الذي يفرض شروطه، ويعلم كل الفلسطينيين هذا الوضع، ولكن هناك فرصة للتغيير، ليس فقط في الإغاثة وإعادة البناء بل والربط بين الضفة وغزة وتعزيز دور السلطة الوطنية، وربما الانتقال سريعاً نحو عملية سياسية جادة لتطبيق حل الدولتين، فالمناخ الدولي ملائم وبقي أن نغير الواقع على الأرض. وحتى إسرائيل قد تشهد تغييراً في الحكم أو على الأقل تخضع لضغوط دولية جدية.