تتردّد مقولة «الأقوياء هم من يكتبون التاريخ» بوصفها حقيقة معرفية، وكأنها قاعدة نهائية لفهم الماضي. غير أن هذه العبارة لم تولد في سياق علمي محايد، بل نشأت في ظروف فكرية وسياسية خاصة، لا سيما في أوروبا بين الحربين العالميتين، حيث انتشرت الأيديولوجيات التي مجّدت القوّة والعظمة والقائد الملهم. وقد استُخدمت هذه المقولة لتكريس منطق الهيمنة لا لفهم التاريخ بوصفه علماً إنسانياً.
تُنسب العبارة إلى والتر بنيامين الذي لم يقصد تمجيد المنتصر، بل فضح انحياز تدوين التاريخ إلى الأقوياء، ودعا إلى كتابة تاريخ يهتم بالإنسان، منتصراً كان أم مهزوماً. فالتاريخ في جوهره ليس أخبار الدول والغزاة، بل حكاية البشر في ضعفهم وصمودهم وانكسارهم.
هذا الفهم يتقاطع مع نقد حنّا آرنت للأنظمة الكليانية التي جعلت من القوّة مقياس الحقيقة، ومن القائد بديلاً عن العقل. فقد بيّنت أن جذور هذا التفكير تمتد إلى نزعة قديمة في احتكار الحقيقة وإقصاء التعدد. وفي السياق نفسه، تَورّط بعض الفلاسفة، مثل هايدغر في لحظة من حياته، في تبرير فكرة العظمة التاريخية المرتبطة بالزعيم، وهو ما غذّى الخطاب النازي القائم على تمجيد الانتصار.
لكن التاريخ ليس أداة دعائية. فإذا استُخدم لخدمة حزب أو سلطة صار «تاريخاً أيديولوجياً»، وإذا خدم السلطة الحاكمة صار «تاريخاً رسمياً»، وإذا استُعمل لبناء الهوية صار «تاريخ الذاكرة». أمّا التاريخ بوصفه علماً، فهو دراسة نقدية للماضي عبر آثاره ووثائقه، لا عبر شعاراته.
التاريخ ليس جوهراً ثابتاً له قوانين مقدّسة، بل هو معرفة تتغيّر بتغيّر المناهج والمصادر. وما نسمّيه «الحدث» ليس سوى مادة أولية، أمّا المعنى فيُصنع عبر عمل المؤرّخ: تمحيص الوثائق، نقد الروايات، وربط الوقائع بسياقاتها. حتى ما يخلّفه المنتصرون من وثائق يمكن أن يكشف، إذا قُرئ نقدياً، عن أصوات المهزومين والصامتين.
غير أن الجماهير تميل إلى المقولات المختصرة التي توحي بالحكمة، مثل «الأقوياء يكتبون التاريخ»، لأنها سهلة التداول وقليلة الجهد، لكنها في الحقيقة تُبسّط التاريخ إلى حدّ تشويهه، وتمنع المصالحة بين المعرفة العميقة والوعي العام.
لقد أظهر مؤرخون كبار، من جيبون وتوينبي وديورانت، إلى ابن الأثير ورونسيمان، أن التاريخ ليس سرداً واحداً، بل قراءات متعددة للكارثة والنهضة والتوحّش. فمنهم من رأى ذروة التوحش في غزو المغول، ومنهم من رآها في الحروب الصليبية، ومنهم من وجدها في الحربين العالميتين. هذا التعدّد نفسه ينقض فكرة التاريخ الواحد الذي يكتبه الأقوياء.
الحقيقة التاريخية ليست معطى جاهزاً، بل بناء مستمر، يتشكّل بتراكم المعرفة وتطوّر المنهج وتنوّع المصادر. لذلك لا يجوز اختزال التاريخ في صوت المنتصر، لأن التاريخ الحقيقي هو ما يكشف مصير الإنسان، لا ما يزيّن صورة القوّة.
إن التاريخ الذي يخدم الهوية هو ذاكرة الشعوب الحيّة، والتاريخ الذي يخدم العلم هو نقد الماضي لفهم الحاضر. أمّا التاريخ الذي يخدم القوّة وحدها، فليس تاريخاً، بل خطاب هيمنة يتقن الحذف أكثر مما يتقن السرد.






