السياسي – تواجه الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع معضلة متجددة تتعلق بمصير مخيمات الاحتجاز التي أُنشئت خلال الحرب على تنظيم داعش، في مرحلة شهدت تشكيل تحالف دولي ضم أكثر من 60 دولة بقيادة الولايات المتحدة، إذ تضم هذه المخيمات عشرات الآلاف من نساء وأطفال مقاتلي التنظيم، في واحدة من أكثر الملفات الأمنية والإنسانية تعقيدا في المنطقة.
وخلال السنوات السبع الماضية، ومع خسارة التنظيم لمناطقه الواسعة في سوريا والعراق، أوكلت القوات الأمريكية مهمة حراسة محتجزي عائلات التنظيم إلى حلفائها الأكراد، غير أن انسحاب قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من مساحات واسعة شمال شرقي البلاد دفع واشنطن إلى تحويل ملف مخيمات الاعتقال إلى حكومة دمشق.
وفي الوقت ذاته، شرعت القوات الأمريكية بنقل عدد من سجناء التنظيم إلى العراق، خشية فرارهم في ظل تدهور الأوضاع الأمنية.
ومع تغير خريطة السيطرة في شمال شرقي سوريا، عاد ملف المخيمات إلى الواجهة بوصفه إحدى أعقد التركات الأمنية والإنسانية منذ خسارة التنظيم عام 2017، وتحولت هذه المواقع إلى تجمعات مغلقة ضخمة، في ظل غياب مراقبة دولية موحدة للتعامل مع عشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين، بشكل مباشر أو غير مباشر، بأحد أكثر التنظيمات شراسة في العالم.
-مخيم الهول.. أكبر تجمع لعوائل تنظيم الدولة
يُعد مخيم الهول، الواقع في ريف محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، أكبر تجمع لعوائل عناصر تنظيم الدولة في العالم، وأحد أكثر المخيمات تعقيدا من الناحيتين الأمنية والإنسانية.
حبس نساء واطفال بالآلاف لاكثر من عشر سنوات هي سابقة تاريخية لم يحصل مثلها ولا ترضاها اي ملة او دين
ها هن نساء قسديات يحملن السلاح جهارا نهارا ويقاتلونا لماذا لا نحبس اطفالهن وهن معهم ؟ من سيقبل بهذا الهراء ؟؟#الهول pic.twitter.com/WiCqogG4sm— موسى الأسعد (@mosaaalasaad) January 21, 2026
وتمتد الأراضي القاحلة شمال شرقي سوريا بشكل شبه متواصل حتى الحدود العراقية، ولا يقطع هذا الامتداد سوى مضخات نفط متناثرة، قبل أن ينتهي الطريق عند مجمع اعتقال مترامي الأطراف.
وأُنشئ المخيم في الأصل لإيواء نازحين، قبل أن يتحول منذ عام 2019 إلى مركز احتجاز مفتوح لعشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم، عقب انهياره الميداني في شرق البلاد، حيث يضم المخيم حاليا ما بين 50 و55 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، من جنسيات سورية وعراقية، إضافة إلى آلاف الأجانب المنتمين إلى أكثر من 50 دولة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن غالبية سكان المخيم دون سن 18 عاما، فيما يعيش آلاف الأطفال داخله منذ ولادتهم من دون وثائق رسمية أو تعليم منتظم، ما يضعهم خارج أي إطار قانوني أو مؤسسي واضح.
وعلى الصعيد الإنساني، يصنف وضع مخيم الهول بأنه بالغ السوء، في ظل تدهور البنية التحتية ونقص حاد في الخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب انتشار الأمراض وسوء التغذية، لا سيما بين الأطفال.
-مخيم روج.. احتجاز طويل الأمد بلا أفق
يقع مخيم روج في ريف بلدة المالكية (ديريك) أقصى شمال شرقي سوريا، قرب الحدود السورية العراقية، ويُعد ثاني أهم مخيم يضم عوائل عناصر تنظيم الدولة بعد مخيم الهول.
وأُنشئ المخيم عام 2016، قبل أن يُخصص لاحقا لإيواء عائلات مقاتلي داعش، ولا سيما الأجانب منهم، ضمن سياسة فصلهم عن مخيم الهول الأكبر والأكثر اكتظاظا.
واقع إنساني صعب.. مشاهد حصرية لنون سوريا من داخل مخيم الهول في الحسكة، الذي يضم آلاف الأشخاص من عائلات تنظيم "داعش". pic.twitter.com/OreLsvKyLg
— نون بوست (@NoonPost) January 22, 2026
ويضم مخيم روج حاليا ما بين 2500 و3000 شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، من جنسيات أجنبية متعددة، إضافة إلى عدد محدود من السوريين والعراقيين.
وكذا الحال في مخيم الهول، تقدر منظمات دولية أن الأطفال يشكلون أكثر من نصف سكان المخيم، كثير منهم وُلدوا داخله أو دخلوا إليه في سن مبكرة، ما يعني سنوات طويلة من العيش في بيئة مغلقة مع فرص شبه معدومة للتعليم النظامي أو الاندماج المجتمعي.
ورغم تصنيفه أمنيا أقل خطورة من مخيم الهول، لا يقل الوضع الإنساني في مخيم روج سوءا، إذ يعاني من نقص الخدمات الطبية المتخصصة، وضعف برامج الدعم النفسي، واعتماد شبه كامل على المساعدات الإنسانية المحدودة.
ويُدار المخيم من قبل قوات سوريا الديمقراطية، بدعم تقني وإنساني من منظمات دولية، في ظل استمرار رفض معظم الدول استعادة رعاياها، ما جعل المخيم حالة احتجاز مفتوحة بلا أفق سياسي أو قانوني واضح.
-مخيم الجدعة.. إجراءات عراقية للإغلاق التدريجي
يقع مخيم الجدعة جنوب مدينة الموصل في محافظة نينوى شمالي العراق، وشكّل منذ عام 2016 أحد أبرز مواقع إيواء النازحين، قبل أن يتحول لاحقا إلى مركز مخصص لاستقبال عوائل عناصر تنظيم داعش.
ومع تصاعد الجدل المجتمعي حول هذه العائلات، أصبح المخيم رمزا لملف إعادة الإدماج والمساءلة والمصالحة في مرحلة ما بعد التنظيم.
وبدأت الحكومة العراقية، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، منذ عام 2021 تنفيذ عمليات نقل العائلات العراقية من مخيم الهول إلى مركز الأمل في مخيم الجدعة، بهدف إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع المحلي.
ومنذ ذلك الحين، عاد ما يقدّر بنحو 9500 شخص إلى العراق، فيما تدرس السلطات زيادة وتيرة إعادة العراقيين المتبقين، الذين يُقدّر عددهم بأكثر من 18 ألفا، على أن تُستكمل الغالبية العظمى من هذه العمليات بحلول نهاية عام 2027.
واستوعب مخيم الجدعة، في ذروة عمله، عشرات الآلاف من الأشخاص على فترات متعاقبة، بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال المرتبطين بعناصر التنظيم، غير أن السلطات العراقية، بالتعاون مع منظمات دولية، شرعت لاحقا في تفكيك المخيم تدريجيا، وبحلول عامي 2023 و2024 أُغلق معظم أقسامه، ولم يتبق فيه سوى مئات الأشخاص في مراحل متقدمة من التدقيق الأمني أو بانتظار إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية، وفق بيانات رسمية وتقارير أممية.
وعلى الصعيد الإنساني، وُصف وضع مخيم الجدعة خلال سنوات تشغيله بأنه شديد الحساسية، في ظل قيود صارمة على الحركة، ونقص في الخدمات الصحية والدعم النفسي، بعد قرار الولايات المتحدة تعليق دعمها للمنظمات الإنسانية العاملة في البلاد.
ويُدار المخيم حاليا من قبل الحكومة العراقية عبر الجهات المختصة بشؤون الهجرة والنزوح، وبالتنسيق مع منظمات دولية، أبرزها المنظمة الدولية للهجرة، ضمن خطط تهدف إلى إغلاق الملف تدريجيا بدل إبقائه في مخيمات طويلة الأمد.
وذكرت وسائل إعلام محلية أن وزارة الهجرة والمهجرين، وبالتعاون مع الجهات الأمنية، تعمل على تهيئة المستلزمات داخل مخيم الجدعة الأول لاستقبال أعداد جديدة من عوائل التنظيم المنقولة من مخيم الهول في محافظة الحسكة.
-مخيم حسن شامي.. نازحون قسرا من المناطق المتنازع عليها
يقع مخيم حسن شامي شرق مدينة أربيل في إقليم كردستان العراق، قرب محور الخازر، ويُعد من المخيمات التي أُنشئت عام 2016 لاستقبال النازحين من محافظة نينوى ومحيطها خلال المعارك ضد تنظيم الدولة.
ويُدار مخيم حسن شامي من قبل حكومة إقليم كردستان عبر الجهات المختصة بشؤون النزوح، وبالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة ومنظمات إنسانية أخرى، ضمن إجراءات تركز على الإغلاق التدريجي، رغم بقاء فئات لا تملك خيار العودة الآمنة حتى الآن.
ومع تطور المشهد الأمني والسياسي، استقر في المخيم خليط من النازحين، بينهم عائلات خضعت لإجراءات تدقيق أمني مطولة، إضافة إلى عرب سنة نزحوا قسرا من مناطق متنازع عليها مع إقليم كردستان، ولم يُسمح لهم بالعودة إلى مناطقهم الأصلية.
وضم المخيم في فترات ذروته آلاف النازحين، قبل أن تتراجع أعداده بشكل حاد ضمن سياسة حكومية لإغلاق المخيمات.
ووفقا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة وتقارير أممية حديثة، لم يتبق في مخيم حسن شامي سوى مئات الأشخاص، معظمهم من عائلات تواجه عوائق أمنية أو إدارية أو مجتمعية تمنع عودتها، أو من نازحين لا تزال مناطقهم مصنفة غير مستقرة أو خاضعة لنزاع إداري وسياسي.
وعلى المستوى الإنساني، شهدت أوضاع المخيم تدهورا ملحوظا مع تقليص التمويل الدولي، حيث تعاني العائلات المتبقية من ضعف الخدمات الصحية، وغياب برامج الدعم النفسي، وتراجع فرص التعليم، إضافة إلى قيود مفروضة على حرية الحركة والعمل.






