في الوقت الذي تتصاعد فيه الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، وآخرها اغتيال ثلاثة صحفيين في قطاع غزة، ليرتفع عدد الصحفيين الذين استهدفهم جيش الاحتلال منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى أكثر من 260 صحفيًا، تستمر آلة القتل والتدمير بلا هوادة في غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة.
فإلى جانب القصف اليومي، تتواصل اقتحامات المسجد الأقصى المبارك وإقامة الصلوات التلمودية في باحاته، في اعتداء سافر على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وسط صمت دولي مريب.
في السياق ذاته، تواصل “إسرائيل” عدوانها على جنوب لبنان، عبر قصف القرى والمناطق السكنية واستهداف بيوت المدنيين، وتحويل الجنوب اللبناني إلى ساحة تجارب للأسلحة والصواريخ، بما في ذلك أسلحة محرمة دوليًا، تحت ذريعة استهداف حزب الله. وهي ذرائع باتت مكشوفة لحكومة بنيامين نتنياهو والائتلاف الحاكم في تل أبيب، الذي يمارس سياسات التطهير العرقي بحق الفلسطينيين، ويقتل المدنيين العزل في فلسطين ولبنان على حد سواء.
ورغم هذا المشهد الدموي، يقدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه بوصفه “رجل السلام”، معلنًا عن تشكيل ما يُسمّى بـ«مجلس السلام العالمي»، في خطوة تعكس نزعة استعلائية ونزوعًا واضحًا لتنصيب نفسه حاكمًا للعالم.
فبحسب ما رشح من معلومات، وجّه ترامب دعوات لعدد من قادة الدول للانضمام إلى هذا المجلس، وفق شروط مالية وسياسية تبدأ بدفع مليار دولار كـ«رسوم اشتراك»، مع نظام عضوية مدته ثلاث سنوات، وإمكانية تنسيب أو انسحاب دول وشخصيات من أصحاب رؤوس الأموال من مختلف الجنسيات، بمن فيهم إسرائيليون.
هذه المبادرة لم تلقَ ترحيبًا أوروبيًا، إذ رفض الرئيس الفرنسي وعدد من قادة دول الاتحاد الأوروبي الانخراط فيها، معتبرين أن إنشاء مجلس سلام برئاسة ترامب يشكّل تقويضًا مباشرًا لمنظومة الأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن الدولي، وتحديًا صارخًا لإرادة المجتمع الدولي.
كما أعلنت الصين عدم مشاركتها، فيما يُتداول أن روسيا الاتحادية قد تنظر في الانضمام مقابل الإفراج عن ودائع مالية مجمدة، ودفع رسوم الاشتراك من تلك الأموال، بالتوازي مع جهود تتعلق بوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما الدوافع الحقيقية وراء «مجلس السلام» هذا؟
في جوهر الأمر، يبدو أن الهدف الأساسي هو إضعاف دور الأمم المتحدة كمنظمة دولية معنية بفض النزاعات وترسيخ السلم والأمن الدوليين، رغم ما يشوب أداءها من ازدواجية معايير، خصوصًا حين يتعلّق الأمر بـ“إسرائيل” كدولة احتلال.
فالرئيس ترامب فشل في وقف الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على قطاع غزة، رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على مبادرته التي أُعلن عنها في شرم الشيخ، والحديث عن الانتقال إلى مرحلة ثانية من التهدئة، في ظل عدم التزام حكومة نتنياهو بوقف إطلاق النار.
وقد جرى الإفراج عن محتجزين إسرائيليين، وتسليم جثامين وأشلاء جنود وضباط من جيش الاحتلال، بينما لا يزال أكثر من 1200 معتقل ومعتقلة فلسطينيين رهن الاحتجاز، إضافة إلى مئات الجثامين المحتجزة في ثلاجات الموتى ومقابر الأرقام، بعضها منذ سنوات طويلة.
وفي الضفة الغربية والقدس، تتواصل اعتداءات المستوطنين واقتحامات المخيمات، والانتهاكات اليومية بحق المسجد الأقصى، دون أي رادع. أما في لبنان، فلا تزال الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة رغم التزام جميع الأطراف اللبنانية، بما فيها حزب الله، بالهدنة، ما يضع الدولة اللبنانية وشعبها في موقف بالغ الحرج.
ومع فشل تحقيق وقف شامل لإطلاق النار في غزة والضفة والقدس ولبنان وسوريا، تبقى أهداف السلام غائبة، في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، بذريعة “الحرص على المواطنين الإيرانيين” خلال الاحتجاجات الداخلية، رغم أن ما يجري شأن داخلي بحت.
هذا “الحرص” لم نرَ له أثرًا عندما تعرّض أكثر من مليوني فلسطيني للإبادة الجماعية في قطاع غزة، دون أي موقف جاد لوقف جرائم جيش الاحتلال والمستوطنين.
من هنا، تبدو المراهنة على ما يُسمّى «مجلس السلام العالمي» برئاسة ترامب رهانًا خاسرًا، في ظل شراكة الإدارة الأمريكية الكاملة مع “إسرائيل” في ما يجري بفلسطين ولبنان وسوريا. ولم نسمع من رئيس هذا المجلس المزعوم أي دعوة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، أو التزامًا بحل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية، ولا سيما قرار مجلس الأمن رقم (2334).
وعليه، تتحمل الإدارة الأمريكية مسؤولية مباشرة عن غياب الأمن والسلام والاستقرار في الشرق الأوسط. فلا سلام حقيقي دون انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن جنوب لبنان، ومن هضبة الجولان السوري المحتل.
ولهذا، ترفض شعوب المنطقة وكل أحرار العالم الاستسلام تحت مظلة الهيمنة الأمريكية، وتؤكد أن السلام لا يُفرض بالمال ولا بالمجالس الوهمية، بل بالعدالة وإنهاء الاحتلال.







