ليست إعادة تشكيل القائمة العربية الموحّدة مجرّد خطوة انتخابية أو ترتيب تقني لتجاوز نسبة الحسم وإعادة توزيع المقاعد. ما يجري هو فعل سياسي واعٍ يعيد الاعتبار لفكرة الوحدة بعد سنوات من التفكك، ويشكّل تمرّدًا منظّمًا على واقع فُرض بالقوة، وعلى معادلة أرادت للعرب الفلسطينيين في الداخل أن يبقوا أصواتًا مبعثرة بلا وزن، وحضورًا شكليًا بلا تأثير.
هذه الإعادة ليست عودة إلى نقطة البداية، بل محاولة لتصحيح مسار انكسر، ولإحياء مشروع وحدوي أُفرغ سابقًا من مضمونه بفعل الانقسامات والحسابات الضيقة. وهي إعلان واضح بأن القبول بدور “الهامش” لم يعد خيارًا، وأن مرحلة جديدة من الاشتباك السياسي الواعي باتت ضرورة في ظل التحولات الخطيرة التي يشهدها المشهد السياسي.
في دولة يقوم نظامها السياسي على التمييز البنيوي، ويتغذّى خطابها العام على الإقصاء والتفوّق العرقي، ومع صعود اليمين المتطرّف من أطراف المشهد إلى مركز القرار، تصبح إعادة تشكيل القائمة العربية فعل مقاومة مدنية مباشرة. مقاومة لا تُمارَس بالسلاح، بل بتفكيك أدوات الهيمنة نفسها، وتجريد المشروع العنصري من إحدى ركائزه الأساسية: تفتيت المجتمع العربي وتحويله إلى كتل انتخابية ضعيفة يسهل تجاوزها أو احتواؤها.
لقد راهنت المؤسسة الحاكمة طويلًا على الانقسام العربي، ولم تكتفِ بمراقبته، بل غذّته وشجّعته واستثمرت فيه سياسيًا وإعلاميًا. فهي تدرك أن العربي الموحّد أخطر عليها من أي خطاب احتجاجي موسمي، وأن الوحدة تنقل المجتمع العربي من موقع ردّ الفعل إلى موقع المبادرة. من هنا، فإن إعادة تشكيل القائمة العربية لا تُربك اليمين فقط، بل تضرب في عمق استراتيجيته، وتسحب من تحته أرضية السيطرة السياسية والأخلاقية التي طالما استند إليها.
هذه الوحدة ليست محاولة لتجميل الواقع أو التكيّف معه، بل مواجهة مباشرة له: مواجهة لمنطق الإقصاء، لقوانين التفوّق العرقي، لسياسات الهدم والتهجير، ولتحويل العنف والجريمة داخل المجتمع العربي إلى أدوات كسر داخلي وإدارة سياسية. إنها انتقال من الدفاع المستنزف إلى الهجوم السياسي المنظّم، وفرض معادلة جديدة مفادها أن استمرار الإقصاء سيقابله تصعيد سياسي، لا صمت أو تكيّف.
وجود كتلة عربية قوية داخل الكنيست ليس غاية بحد ذاته، ولا وهمًا بإصلاح نظام عنصري من داخله، بل وسيلة لكشف هذا النظام وفضح تناقضاته أمام جمهوره وأمام العالم. هو استخدام أدوات اللعبة السياسية لكسر قواعدها الظالمة، وتحويل المنبر الذي أُريد له أن يكون شاهد زور إلى منصة مساءلة سياسية وأخلاقية. التمثيل هنا ليس اندماجًا، بل اشتباكًا محسوبًا.
غير أن الأثر الأعمق لإعادة تشكيل القائمة العربية لا يُقاس بعدد المقاعد فقط، بل بما تمثّله نفسيًا وسياسيًا داخل الشارع العربي. فهي تعيد بناء الثقة بالقدرة الجماعية، وتكسر حاجز الخوف واليأس، وتُسقط الوهم القائل إن التطرّف قدر لا يمكن مقاومته. حين يصوّت الناس وهم يدركون أنهم جزء من قوة جماعية حقيقية، تتحوّل الانتخابات من إجراء إداري فارغ إلى فعل سياسي واعٍ، وإلى لحظة استعادة للكرامة والفاعلية.
كما أن هذه الإعادة تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن العربي والحكومة، لا بوصفها علاقة اندماج قسري أو ولاء مشروط، بل علاقة صراع سياسي مفتوح على الحقوق. هي رفض لدور “الديكور الديمقراطي” الذي أُريد للعرب أن يؤدوه، وإصرار على أن يكونوا شركاء في الفعل السياسي، لا أدوات لإضفاء شرعية شكلية على نظام إقصائي.
ختامًا، إعادة تشكيل القائمة العربية ليست نهاية الطريق، بل بدايته. إنها رسالة واضحة تقول: لن نُدار من الخارج، ولن نُفتّت من الداخل، ولن نقبل بدور الكومبارس في مسرح العنصرية. هذه لحظة اختيار تاريخي حقيقي: إما استعادة المبادرة وبناء قوة سياسية منظّمة، أو الاستسلام لمنطق الإقصاء وتراكم الخسائر.
اليوم، لم تعد الوحدة خيارًا تكتيكيًا ظرفيًا، بل معركة وجود بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ومن لا يدرك أن الصدام السياسي المنظّم هو الطريق الوحيد لوقف الانحدار الفاشي، سيبقى أسير ردود الفعل. أما هذه الوحدة، فهي فرصة لتحويل الغضب إلى قوة، والوعي إلى فعل، والصوت العربي إلى حضور لا يمكن تجاهله أو كسره.
*ناشط وكاتب عربي فلسطيني عضو الأمانة العامة للشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام.





