قراءة سياسية في شروط حماس لنزع السلاح
منذ سنوات طويلة، يعيش شعبنا في قطاع غزة تحت وطأة واقع مركّب: حصار خانق، عدوان متكرر، انهيار اقتصادي، وتمزق اجتماعي عميق. وفي خضم هذا الواقع، تتجدد النقاشات حول مستقبل السلاح، والسلطة، وإدارة القطاع، وآخرها ما نُقل عن شروط وضعتها حركة حماس لنزع سلاحها عبر وساطة تركية.
بحسب ما نُقل، تشترط حماس:
• البقاء كحركة سياسية.
• الحصول على حصانة من الاغتيالات.
• دمج عناصرها في جهاز الشرطة التابع للسلطة الفلسطينية.
• الاحتفاظ بقوة مسلحة صغيرة لحماية كبار قادتها.
وهنا، لا بد من التوقف عند هذه الشروط لا من زاوية الخصومة السياسية فقط، بل من زاوية المجتمع وحقوق الناس والعدالة العامة.
أولاً: الشرطة… مهنة أم مكافأة سياسية؟
عندما يُطرح “دمج عناصر حماس في الشرطة”، يبرز سؤال جوهري:
هل الشرطة مجرد زيّ وسلاح ورتبة؟ أم هي مؤسسة قانونية مدنية تقوم على العلم، والتدريب، والانضباط، واحترام حقوق الإنسان؟
الشرطة في أي دولة محترمة ليست مكافأة لفصيل ولا ملاذًا لعناصر مسلحة، بل جهاز يُفترض أن يخضع أفراده لتأهيل مهني وقانوني ونفسي صارم، يتعلمون فيه:
• قانون الإجراءات الجزائية
• حقوق الإنسان
• أساليب فض النزاعات دون عنف
• حماية المواطن لا إخضاعه
فهل خضع هؤلاء العناصر لمثل هذا التدريب؟ وأين؟ وتحت أي إشراف؟
أم أننا أمام محاولة إعادة تدوير السلاح داخل مؤسسات مدنية، بما يهدد فكرة الدولة نفسها؟
ثانياً: الحصانة من الاغتيالات… أم من المساءلة؟
تقول قيادة حماس إنها تخشى الاغتيالات، وهذا مفهوم في سياق الصراع مع الاحتلال. لكن سؤالًا آخر يفرض نفسه بقوة داخل غزة:
هل الخشية فقط من الاحتلال، أم أيضًا من غضب المجتمع؟
فغزة ليست فقط ساحة حرب، بل ساحة ذاكرة مثقلة:
• عائلات تضررت
• معتقلون سابقون
• حالات تعذيب موثقة
• قمع سياسي وإعلامي
• دماء فلسطينية سالت بأيدٍ فلسطينية
هنا يصبح مطلب “الحصانة” إشكاليًا، لأن المجتمعات لا تُبنى على الحصانات، بل على العدالة والمساءلة والإنصاف.
لا يمكن القفز فوق آلام الناس تحت شعار “المقاومة” أو “الظرف الاستثنائي”، فالشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى.
ثالثاً: البقاء كحركة سياسية… حق أم تهرّب؟
من حيث المبدأ، العمل السياسي حق مكفول لكل من يلتزم بالقانون والدستور والتعددية. لكن التحول إلى حزب سياسي حقيقي يتطلب:
• الاعتراف بالآخر
• القبول بالتداول السلمي للسلطة
• التخلي عن السلاح كأداة ضغط داخلي
• الفصل الواضح بين الدعوي والعسكري والسياسي
أما البقاء كحركة سياسية مع الاحتفاظ بسلاح، ولو “صغير”، فهو إبقاء البلاد في منطقة رمادية: لا حرب ولا دولة، لا مقاومة واضحة ولا سلطة مسؤولة.
رابعاً: سلاح لحماية القادة… ومن يحمي الناس؟
أكثر ما يثير المرارة لدى المواطن الغزّي هو هذا السؤال البسيط:
إذا كان يُسمح بسلاح لحماية القادة،
فمن يحمي الأطفال؟
من يحمي البيوت؟
من يحمي الناس من الفقر، والبطالة، والانقسام، والخوف؟
الدولة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، لا بحماية نخبها. وأي مشروع سياسي يبدأ من تحصين الإنسان العادي قبل تحصين المكاتب والقيادات.
غزة اليوم لا تحتاج إلى صفقات فوقية ولا إلى تسويات تحفظ ماء وجه هذا الطرف أو ذاك. غزة تحتاج إلى:
• مشروع وطني جامع
• سلطة واحدة وقانون واحد
• سلاح واحد خاضع لقرار وطني
• عدالة انتقالية تُنصف الضحايا
• ومصارحة شجاعة مع الناس
إن مستقبل غزة لن يُبنى بالشروط، بل بالثقة.
والثقة لا تُمنح، بل تُستعاد عبر الاعتراف، والمحاسبة، ووضع الإنسان قبل التنظيم، والوطن قبل الفصيل





