وظيفة المثقّف بين تفكيك الواقع وصناعة الأفق:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

من سؤال النهضة الغربية إلى مأزق الانحدار العربي؛
ليست وظيفة المثقّف ترفاً معرفياً، ولا اشتغالاً لغوياً معزولاً عن شروط التاريخ، بل هي – في جوهرها – فعلُ مساءلةٍ دائمة للواقع، ومحاولة واعية لتحويل المعنى من كونه وصفاً لما هو كائن إلى أفقٍ لما ينبغي أن يكون. فالمثقّف، حيثما وُجد، هو ضمير عصره القَلِق، والوسيط النقدي بين الفكرة والواقع، بين المعرفة والقيم، وبين الحاضر والمستقبل.
1. المثقّف في التجربة الغربية: من التفكيك إلى البناء:
في التجربة الغربية الحديثة، لم يكن المثقّف شاهداً محايداً على التحوّلات الكبرى، بل كان في كثير من الأحيان مهندسها الرمزي. فمنذ عصر التنوير، أدّى المفكّرون دوراً تأسيسياً في تفكيك البنى اللاعقلانية التي كبّلت الوعي الأوروبي قروناً طويلة. لم يكن فولتير ناقداً للكنيسة فحسب، بل كان ناقداً لبنية السلطة التي احتكرت الحقيقة، ولم يكن كانط منظّراً أخلاقياً مجرّداً، بل مفكّراً أسّس لفكرة العقل النقدي المستقل بوصفه شرطاً للتحرّر.
ومع تطوّر الحداثة، تواصل هذا الدور التحويلي لدى فلاسفة مثل ماركس، ونيتشه، ثم لاحقاً لدى مسشيل فوكو وجاك دريدا وليوتار، الذين لم يكتفوا بتفكيك أنظمة المعرفة والسلطة، بل حوّلوا النقد ذاته إلى أداة لإعادة بناء الأفق، حتى وإن اتّخذ ذلك شكل التشكيك الجذري في السرديات الكبرى. لقد اقترنت التحوّلات الثقافية والسياسية والاقتصادية في الغرب بأسماء مفكّريها، بما يجعل الفكر عنصراً فاعلاً في التاريخ، لا مجرّد انعكاس له.
2. سؤال الوظيفة في السياق العربي: من النهضة إلى الفراغ
إذا كان هذا هو موقع المثقّف في التجربة الغربية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ما وظيفة المثقّف العربي اليوم؟
لقد شهد الفكر العربي الحديث لحظة نهضوية مبكّرة، مثّلها مفكّرون كبار أمثال عبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، حيث ارتبطت الثقافة آنذاك بمشروع إصلاحي عقلاني، يسعى إلى تفكيك الاستبداد السياسي والجمود الديني في آن.
غير أنّ الهوّة بين تلك الأطروحات النهضوية وما آلت إليه الأوضاع العربية اليوم تكشف عن انكسار تاريخي في دور المثقّف. فبدل أن يكون حاملًا لمشروع نقدي نهضوي، بات في كثير من الأحيان إمّا مكرّساً للواقع القائم، أو منسحباً إلى هوامش التنظير الأكاديمي العقيم، أو مستهلكاً لأفكار مستوردة دون إعادة إنتاجها في سياقها المحلي.
3. أزمة المثقّف العربي: من فقدان المشروع إلى روح الاستسلام
تكمن أخطر أزمات المثقّف العربي المعاصر في فقدانه للمشروع الفكري النوعي. لم تعد الساحة الثقافية تزخر بمشاريع فكرية كبرى قادرة على مجابهة التحديات البنيوية التي تعصف بالمجتمع والدولة والهوية. حلّ محلّ الفكر النقدي العميق نوع من الرضا السلبي بما هو قائم، واستكانة مقلقة إلى الممكن الأدنى.
لقد تسلّلت إلى الخطاب الثقافي العربي روح استسلام ناعمة، تتخفّى أحياناً في لغة الواقعية السياسية، وأحياناً في خطاب التكيّف مع العولمة، لكنها في جوهرها تعبّر عن هزيمة داخلية للعقل النقدي. والمفارقة أنّ من يُفترض بهم أن يكونوا طليعة التغيير، أو منظّرين له، باتوا في كثير من الأحيان مجرّد معلّقين على الأحداث، لا فاعلين في صياغتها.
4. الربيع العربي: حراك بلا فلسفة
تجلّت هذه الأزمة بوضوح في ما سُمّي بـ«الربيع العربي»، الذي اندلع بوصفه حراكاً احتجاجيًا واسعًا، لكنه افتقر إلى بوصلة فلسفية وفكرية تقوده وتضبط مساراته. لم يسبقه اشتغال فكري عميق على مفاهيم الدولة، والحرية، والعدالة، والعقد الاجتماعي، ولم تصاحبه حركة مثقفين قادرة على التنظير، والنقد، والتقويم.
لهذا، تحوّل الحراك من فعل تاريخي محتمل إلى انفجار انفعالي، سرعان ما استُدرج إلى الفوضى، وأُفرغ من إمكاناته التحرّرية، وانتهى – في كثير من تجاربه – إلى تدمير الإنسان والمكان معاً. وهنا تتجلّى مسؤولية المثقّف الغائب، لا بوصفه سببًا مباشراً للفشل، بل بوصفه الفراغ الذي تسلّل منه العبث.
5. نحو إعادة تعريف وظيفة المثقّف العربي
إنّ استعادة وظيفة المثقّف العربي لا تكون بتكرار نماذج غربية، ولا بالحنين إلى خطاب النهضة، بل بإعادة تعريف الدور نفسه. فالمثقّف اليوم مطالب بأن يكون:
ناقداً للبنى العميقة لا للظواهر السطحية،
منتجاً للمعنى لا مروّجاً للخطاب السائد،
جسراً بين المعرفة والواقع، لا سجيناً لأحدهما،
وصاحب شجاعة أخلاقية في قول ما لا يُقال، لا ما يُطلب منه أن يقوله.
فالمثقّف الحقّ هو من يحوّل النقد إلى أفق، ويجعل من الفكر ممارسة تاريخية، لا خطابة موسمية.
خاتمة:
إنّ أزمة العالم العربي ليست أزمة سياسة فحسب، بل هي – في عمقها – أزمة فكر ومثقّفين. وحين يغيب المشروع الفكري، يصبح الواقع ساحة مفتوحة للتكرار، والعبث، والانحدار. وحده المثقّف الذي يستعيد وظيفته النقدية والتأسيسية، قادر على تحويل تفكيك الواقع إلى جسورٍ للمستقبل، وعلى إعادة المعنى إلى زمنٍ يوشك أن يفقد قدرته على الحلم.