حقائق غزة تسخر من وعود نتنياهو للإسرائيليين

السياسي – تزامنًا مع الاحتفالية الرسمية وغير الرسمية في إسرائيل باستعادة رفات آخر أسير إسرائيلي، وخلوّ قطاع غزة من أي أسير حي أو ميت للمرة الأولى منذ عام 2014، يؤكد عدد من المراقبين في إسرائيل أن الحقائق على الأرض تختلف عمّا تحاول حكومة الاحتلال تصويره، منبّهين إلى بقاء حركة حماس، وفتح معبر رفح، وغيرها من القضايا التي جرى التعامل معها عكس وعود بنيامين نتنياهو للإسرائيليين، وذلك بعدما فرض الرئيس الأمريكي عليه خطة العشرين بندًا.
وعلاوة على مباهاة نتنياهو أنه وعد وأوفى بوعده باستعادة جميع الأسرى من القطاع، تسود في إسرائيل حالة ارتياح بعد تبدّد مخاوف إسرائيلية من استنساخ قصة فقدان ملاح الجو رون أراد في لبنان قبل أربعة عقود ونيّف. وتنعكس هذه المشاعر والأجواء على غلاف الصفحة الأولى لصحيفة «يديعوت أحرونوت» الصادرة اليوم الثلاثاء، حيث نشرت صور جميع الأسرى، وتصدّرها عنوان رئيسي: «كافتهم في البيت».
وتنقل الصحيفة، كسائر وسائل الإعلام العبرية، تصريحات والدي الشرطي ران غفيلي بعد استعادة رفاته أمس، إذ قالا إن مشاعر الفخر لديهما أقوى من الشعور بالحزن. كما نشرت الصحف صورة لرئيس إسرائيل إسحاق هرتسوغ وهو ينزع عن صدر بدلته «الشارة الصفراء»، رمز الأسرى، فيما كتب أحد محرريها، المعلّق السياسي ليؤور بن عامي، أن الوقت قد حان ليغلق الإسرائيليون الدائرة ويشرعوا في مرحلة الاستشفاء ولملمة الكسور.

وبخلاف تباهي نتنياهو وبعض أركان ائتلافه، يرى الجنرال في الاحتياط يسرائيل زيف، في حديث للإذاعة الرسمية الثلاثاء، تعليقًا على المزاعم الرسمية بوجود تنسيق أمريكي–إسرائيلي تام حيال ما يجري، أن الترميم في غزة انطلق، بينما لم يبدأ نزع السلاح بعد. وتابع: «صحيح أن هناك تصريحات أمريكية وحديثًا عن التزام أمريكي بنزع سلاح القطاع، لكن الوضع في الميدان مختلف. حماس موجودة، وما يقرر هو الخطوات الصغيرة على الأرض أكثر من التصريحات الكبيرة، خاصة بعد فتح معبر رفح وإقامة حكومة تكنوقراط تعمل من تحتها حماس. الأقوال من جهة، والأفعال من جهة أخرى».
وأضاف زيف: «سبق أن شهدنا التهريب عبر المعبر أمام أعيننا، ومشكلتنا اليوم ليست تهريب السلاح، بل إدخال القطع والمواد بفعل وجود مصانع وخبرة تصنيع محلية داخل القطاع، وحماس قادرة على إعادة ترميم قوتها إذا افتقدنا الرقابة القوية». وأشار إلى وجود أسئلة كبيرة وحقيقية، موضحًا أن خطة كوشنر تتحدث عن إخلاء السكان من غرب غزة إلى شرقها بغية الترميم والبناء، لكنها خطة بلا ضمانات أمنية.
ورأى زيف أن احتمالات نزع سلاح حماس من قبل جهات دولية تقترب من الصفر، وأن الحل يتمثل بمحاولة التأثير من الداخل عبر المشاركة في الأجهزة التي ستعمل، بدل مواصلة الحديث والثرثرة. وخلص إلى القول إن على إسرائيل محاولة التغيير من الداخل بدل التهديد بالعودة إلى الحرب، معتبرًا أن معاودة الحرب خيار غير ممكن بسبب موقف الإدارة الأمريكية.

ويتفق معه مستشار الأمن القومي الأسبق، الجنرال في الاحتياط غيورا آيلاند، الذي قال للإذاعة نفسها: «نحن أمام سيناريو مقلق يتمثل بإعادة الترميم والبناء مع بقاء حماس داخل القطاع. على إسرائيل أن تصرّ على عدم الانسحاب من الخط الأصفر طالما لا تفي «حماس» بتعهداتها». وأضاف: «علينا أن نقول للإدارة الأمريكية إن أي مسار آخر سيكون هزيمة لنا ولأمريكا».
ودعا آيلاند إلى وقف عمل «الأونروا»، ومصادرة بطاقات «اللاجئ» من الغزيين، ومشاركة الدول العربية في ذلك، مع تجنيد الولايات المتحدة لهذا الهدف.

ويقدّم المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هارئيل، رؤية نقدية خارج أجواء الاحتفالية الرسمية التي تسعى حكومة الاحتلال إلى تسويقها. ورغم إشادته بالالتزام باستعادة جميع الأسرى أحياءً وأمواتًا، يؤكد أن إنهاء هذا الملف لا يغيّر صورة الحرب، قائلًا إن الانطباع بفشل كبير على جميع المستويات في السابع من أكتوبر / تشرين الأول لن يتبدد مع استعادة رفات ران غفيلي.
ويرى هارئيل أن الحرب تنتهي بتسوية فرضتها الولايات المتحدة على إسرائيل، وبعيدًا جدًا عن وعود الحكومة خلال الحرب. ويشير إلى أن نشر بيانات رسمية حول عملية البحث عن الرفات قبل العثور عليها كان يهدف إلى تخفيف حدة الانتقادات الجماهيرية لقرار فتح معبر رفح، الذي فُرض على نتنياهو خلافًا لتصريحاته السابقة.
ويؤكد هارئيل أن نجاح حماس في تحديد مواقع معظم الأسرى الموتى يدل على سيطرتها الوثيقة والمنظمة على نصف القطاع، وعلى رغبتها في التقدم نحو مراحل لاحقة، مستنتجًا أن بقاءها في الحكم بات أمرًا واقعًا. ويختم بالقول إن استعادة الرفات ستدفع نحو تطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق، وتفرض على شركاء نتنياهو مواجهة الواقع، حيث فتح معبر رفح قد يكون أقل مشاكله المقبلة، في ظل أجندة أمريكية تسعى إلى فرض واقع مختلف على إسرائيل، وسط فجوة واضحة بين الوعود والواقع على الأرض.