الإحباط المتنامي في وطننا العربي: في اغتراب المثقف وانكسار الدور

بقلم: عماد خالد رحمة – ألمانيا

ليس الإحباط المتنامي في وطننا العربي حالةً نفسية عابرة، ولا مزاجًا جماعيًا طارئًا، بل هو بنية خفيّة تتكاثر في عمق الوعي، وتعيد تشكيل العلاقة بين الفرد وذاته، وبين المثقف ومجتمعه، وبين الفكرة ومصيرها. إنه إحباطٌ تراكميّ، يتغذّى من انسداد الأفق، ومن شعورٍ عام بأن الزمن يدور في حلقة مفرغة، حيث تتبدّل الوجوه ولا تتغيّر البنى، وتتراكم الخيبات دون أن تثمر خبرة.
في هذا المناخ الخانق، يجد المثقف العربي نفسه محكومًا بالتهميش والعزلة، لا لأن المعرفة فقدت قيمتها في ذاتها، بل لأن شروط فاعليتها الاجتماعية قد تآكلت. يتحوّل المثقف، على نحوٍ مأساوي، إلى مستودعٍ للمعرفة غير المتداولة، وخزانٍ للمعلومات التي فقدت جدواها، لا لقصورها، بل لأن الواقع لم يعد يعترف بها ولا يطلبها. وهكذا تُنتزع الفكرة من سياقها، ويُفصل الوعي عن مساره الطبيعي، فيغدو الفكر فائضًا بلا وظيفة، وصوتًا بلا صدى.
إن أخطر ما في هذا الإحباط ليس ما يُحدثه من تعبٍ نفسي، بل ما يُنتجه من صمتٍ عقلي؛ ذلك الصمت الذي لا يعني الهدوء، بل التعطيل. فحين تُستخدم تنمية الوعي خارج أفقها، أو تُستدعى المعرفة لتزيين العجز لا لمساءلته، يصبح السؤال مشروعًا: ما جدوى الوعي حين يُمنع من التحوّل إلى فعل؟ وما قيمة الثقافة حين تُحاصر في الهامش، أو تُختزل في خطاب اجتماعي مناسباتي، منزوع الدسم الفلسفي؟
المثقف العربي، بحكم موقعه المعرفي، يحمل مسؤولية مضاعفة: فهو الأدرى بتشوهات واقعه، والأقدر على تفكيك بنياته الرمزية، والأكثر حلمًا بمشروعات كبرى تتجاوز الراهن إلى الممكن. غير أن هذه المسؤولية تصطدم بواقعٍ لا يسمح بتحقيقها، لأن المثقف المعطّل، أو المحجور عليه سياسيًا واجتماعيًا، غالبًا ما يُسحق بين مطرقة الإهمال واللامبالاة، وسندان التخلف والجهل. فلا هو قادر على الانخراط الحرّ في الشأن العام، ولا هو مسموح له بالانسحاب النبيل الذي يحفظ للفكرة نقاءها.
وهنا يتجلّى البعد الفلسفي للمأزق: نحن لا نعيش أزمة مثقفين، بل أزمة وظيفة الثقافة ذاتها. فالثقافة التي لا تُستعاد بوصفها قوة نقدية، وقدرة على زعزعة البداهات، ستظل خليطًا لا مزيج له؛ تراكمًا مشوشًا من مفاهيم وآراء متجاورة لا متحاورة، تحكمها المراوحة في المكان، وتُدجَّن داخل مقاربات اجتماعية سطحية، تُراكم الوصف وتخشى الجذر.
إن استعادة الاعتبار للثقافة لا تمرّ عبر تمجيد المثقف، بل عبر إعادة فتح المجال أمام المعنى: معنى السؤال، ومعنى الاختلاف، ومعنى المجازفة الفكرية. فالثقافة التي لا تُقلق، لا تُنقذ؛ والمثقف الذي لا يُزعج، يتحوّل إلى شاهدٍ محايد على خرابٍ يتقن وصفه ولا يجرؤ على مواجهته.
من هنا، فإن مقاومة الإحباط المتنامي لا تكون بالخطابة ولا بالرثاء، بل بإعادة وصل الفكر بالفعل، والوعي بالأفق، والمثقف بمجتمعه، على قاعدة أن المعرفة، حين تُستعاد في وظيفتها النقدية، قادرة—ولو ببطء—على كسر الدائرة، وإعادة الزمن إلى مساره، لا بوهم الخلاص السريع، بل بصبر المعنى وإصرار السؤال.