أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية*
دراسة فلسفية – أيديولوجية في شروط الإمكان وحدود الواقع
( نعم انا مع اقامة السلام العادل والشامل بين الشعبين ع ارض واحدة ..تقاسم الجغرافيا لوحدة الوجود وديمومة البقاء )
(صيغة أكاديمية بحثية)
مقدمة: من السلام بوصفه شعارًا إلى السلام بوصفه مشروعًا فلسفيًا
لم يعد السلام في السياق الفلسطيني–الإسرائيلي مسألة سياسية إجرائية تُختزل في اتفاقيات أو تفاهمات أمنية، بل أصبح سؤالًا فلسفيًا وأخلاقيًا وأيديولوجيًا من الطراز الأول. فبعد أكثر من قرن من الصراع، وبعد التحولات الدموية الكبرى، خصوصًا ما جرى في غزة، بات من الضروري الانتقال من سلام القوة إلى قوة السلام، ومن منطق الغلبة إلى منطق العدالة.
تسعى هذه الدراسة إلى مساءلة مفهوم السلام في ثلاثيته: العادل، الشامل، والكلّي، بوصفه مشروعًا وجوديًا يتجاوز التسويات المرحلية، ويعيد تعريف العلاقة بين الشعب الفلسطيني والشعب الإسرائيلي على أسس عقلانية، أخلاقية، وتاريخية.
أولًا: الإطار المفاهيمي – في معنى السلام العادل والشامل والكلّي
1. السلام العادل
السلام العادل هو السلام الذي يقوم على:
الاعتراف بالظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني
ردّ الحقوق غير القابلة للتصرف (الأرض، الحرية، السيادة)
احترام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية
العدل هنا ليس تسوية وسطية، بل تصحيح لمسار تاريخي مختلّ، إذ لا يمكن لسلامٍ أن يدوم إذا بُني على إنكار الضحية أو شرعنة القوة.
2. السلام الشامل
السلام الشامل يتجاوز:
وقف إطلاق النار
الاتفاقات الأمنية
ليشمل:
البعد السياسي
البعد الاجتماعي
البعد الثقافي
البعد الرمزي والذاكرتي
فالصراع ليس فقط على الأرض، بل على المعنى، الرواية، والهوية.
3. السلام الكلّي
السلام الكلّي هو سلام:
يُنهي منطق الصراع الوجودي
يُخرج العلاقة من ثنائية “نحن أو هم”
يؤسس لعيش مشترك قائم على المواطنة والحقوق المتساوية
وهو سلام يتطلب تحولًا في البنية الذهنية والأيديولوجية للطرفين، لا مجرد تغيير في الحكومات.
ثانيًا: البعد الفلسفي للصراع – بين الحق والقوة
الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي هو في جوهره صراع بين:
قوة الحق الفلسطيني
وحق القوة الصهيونية
لقد أنتجت الصهيونية السياسية سردية ترى في القوة العسكرية والتفوق الأمني مصدرًا للشرعية، بينما يستند الفلسطيني إلى:
الحق التاريخي
الوجود الأنطولوجي في المكان
الاستمرارية الحضارية
من منظور فلسفي (كانطي–هابرماسي)، لا يمكن للسلام أن يتحقق إلا إذا انتقلت العلاقة من:
منطق الإكراه
إلى
منطق العقل التواصلي والاعتراف المتبادل
ثالثًا: الدين والأيديولوجيا – عائق السلام أم شرط إعادة تعريفه؟
1. الميثولوجيا الدينية والصراع
أسهم التوظيف الأيديولوجي للنصوص الدينية (التناخ، التلمود، المِشنا) في:
تأبيد الصراع
إضفاء قداسة على التوسع
تحويل الجغرافيا إلى قدر إلهي
وهو ما جعل السلام يبدو كأنه تنازل عن الوعد الإلهي.
2. إمكان الفصل بين الدين والدولة
السلام الحقيقي يقتضي:
الفصل بين الإيمان الديني والقرار السياسي
الانتقال من “الدولة العقائدية” إلى “الدولة المدنية”
إعادة تأويل النصوص الدينية تأويلاً أخلاقيًا لا توسعيًا
وهنا يبرز سؤال ما بعد الصهيونية كإطار فكري محتمل للخروج من المأزق.
رابعًا: ما بعد 7 أكتوبر – تحوّل معادلات الصراع
أحداث غزة شكّلت:
تصدعًا في صورة “الجيش الذي لا يُقهر”
انهيارًا في سردية الردع المطلق
كشفًا لحدود القوة العسكرية أمام إرادة الصمود
وهذا التحول فتح المجال لإعادة التفكير في:
جدوى الحلول العسكرية
حدود الأيديولوجيا اليمينية المتطرفة
ضرورة البحث عن أفق سياسي جديد
خامسًا: النظام الدولي الجديد وإعادة تشكيل الخيارات
إن التحولات في النظام الدولي، وصعود قوى كبرى جديدة، وتراجع الأحادية القطبية، تفرض على إسرائيل:
إعادة تموضع استراتيجي
مراجعة خطابها الأيديولوجي
التكيف مع عالم أقل تسامحًا مع الاحتلال والاستعمار
كما تفتح للفلسطينيين مجالًا لإعادة تدويل قضيتهم ضمن خطاب حقوقي–إنساني كوني.
سادسًا: شروط السلام الشجاع – من الواقعية السياسية إلى الشجاعة الأخلاقية
السلام بين الشعبين لن يكون ممكنًا إلا إذا توفرت الشروط التالية:
اعتراف إسرائيلي صريح بالظلم التاريخي
إنهاء الاحتلال بكافة أشكاله
قيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة
تفكيك الأيديولوجيا الإقصائية
بناء ذاكرة مشتركة لا تلغي الضحية
هذا هو ما يمكن تسميته بـ سلام الشجعان، لا سلام الخائفين.
خاتمة: السلام بوصفه خيار الوجود لا خيار الضعف
السلام العادل، الشامل، والكلّي ليس حلمًا طوباويًا، بل ضرورة تاريخية وأخلاقية. فإما أن ينتقل الطرفان إلى منطق الاعتراف والعدالة، أو يبقيا أسرى دائرة العنف المفتوح.
إن السلام الحقيقي لا يُصنع بالسلاح، بل:
بالعقل،
بالعدالة،
وبالقدرة على رؤية الآخر إنسانًا لا عدوًا أبديًا.







