بين السواد والبياض: في جدلية التاريخ وكرامة المعنى العربي:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليس في التاريخ لونٌ واحد، ولا في الواقع صفاءٌ مطلق أو عتمةٌ خالصة؛ فالعالم، منذ انبثاقه الأول، يتخلّق في المنطقة الرمادية التي تتناسل فيها الأضداد، وتتصارع القيم، وتتشابك الهزائم مع بذور النهوض. إنّ القراءة العلمية، حين تتحرّر من غواية الرغبة ومن فلسفة الانتقاء، تكشف أن سيرورة التاريخ لا تمضي في خطٍّ مستقيم، بل في تعاقبٍ جدليٍّ بين صعودٍ وانكسار، بين اكتمالٍ ونقص، بوصف ذلك أحد نواميس الكون التي لا تحابي أمةً ولا تستثني حضارة.
ومن هذا المنظور، يغدو اختزال الواقع العربي إلى مشهدٍ دراميٍّ عابر—تُغذّيه الميديا القاتلة وتستثمره سرديات الإلغاء—ضرباً من ليّ عنق العقل وتزييف الوعي. فالوطن العربي، بما يمتدّ عليه من جغرافيا بين ماءين، وبما يحتضنه من أكثر من نصف مليار إنسان، وبما يشغله من تخومٍ مقدّسة على قارتين، ليس حكاية طارئة ولا كياناً قابلاً للمحو السردي. هو مهد حضارات، ومهبط رسالات، ومنبع الأبجدية الأولى؛ تاريخٌ لا يُختزل في صورةٍ، ولا يُدان بجملةٍ، ولا يُختصر في قرار.
إنّ الظلم الحقيقي لا يكمن في توصيف العثرات—فالعثرات جزء من شرط التاريخ—بل في تحويلها إلى هويةٍ أبدية، وفي مصادرة حقّ الشعوب في المعنى والأمل. فالناس، على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم، يملكون ما يحبّونه ويدافعون عنه، وما يؤمنون به رغم الكبوات، حتى حين تُترك أوطانهم في مهبّ العواصف على يد حكّامٍ يراكمون الإجهاض بدل الرعاية. هنا تتبدّى المفارقة: شعبٌ يُدان بذنوب لم يرتكبها، وتاريخٌ يُختزل فيما لم يكن.
الفلسفة، حين تُنصت لنبض الاجتماع، تُذكّرنا بأنّ القوة ليست في نفي الألم، بل في تحويله إلى معرفة؛ وأنّ السياسة التي تفصل نفسها عن الأخلاق إنما تُنتج صفقاتٍ بلا روح، ومشاريعَ بلا شرعية. من هذا الأفق، لا تُقرأ «الصفقات» بوصفها قدراً، بل كوقائع مؤقتة في مسارٍ أطول؛ إذ ما من بناءٍ يقوم على إنكار الإنسان إلا ويحمل بذور زواله. فالتاريخ لا يصدّق الوهم طويلًا، ولا يمنح الشرعية إلا لما يمرّ عبر العدالة والمعنى.
إنّ استعادة العقل العربي تبدأ من رفض الثنائيات الكسولة: سوادٌ مطلق/بياضٌ محض. تبدأ من وعيٍ استراتيجيٍّ يرى الصورة كاملة، ويقاوم الإغواء الإعلامي، ويعيد وصل السياسة بالأخلاق، والواقع بالأمل. عندها فقط يستعيد المكان ذاكرته، والإنسان حقّه في السرد، وتعود الجغرافيا—لا كخريطةٍ فحسب — بل كحكايةٍ مفتوحة على المستقبل.
وفي هذا الأفق، ليست «الصفقات» إلا عابراً هشّاً في مجرى أطول. ما يقوم على الإقصاء يزول، وما يتغذّى على إنكار التاريخ يتهاوى. أمّا المعنى، فباقٍ؛ لأنّ الشعوب—مهما أُرهقت—لا تُختزل، والتاريخ—مهما تعثّر—لا يُختم على صفحةٍ واحدة.