أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية
Free Marwan – Free Palestine
مقدّمة: حين يتقدّم المعنى على الحدث
في مشهد تاريخي مهيب، شهدته مدينة برشلونة الإسبانية، تجمّع حشد واسع من مناصري القضية الفلسطينية، في فعالية تضامنية تجاوزت حدود السياسة إلى أفق الفلسفة، وتخطّت اللحظة إلى المعنى. لم يكن هذا الحشد مجرّد تعبير عاطفي، بل إعلاناً أخلاقياً عالمياً بأن فلسطين ما زالت حاضرة في الضمير الإنساني، وأن مروان البرغوثي لم يعد أسيراً في زنزانة، بل أصبح فكرة حيّة، ورمزاً تاريخياً للحرية المؤجَّلة.
وقد اكتسب هذا المشهد زخماً إضافياً بتقدّم شخصيات عالمية، في طليعتها المدرب الإسباني بيب غوارديولا، بما يحمله ذلك من دلالة رمزية على أن فلسطين خرجت من عزلتها القسرية، ودخلت مجدداً فضاء التضامن الكوني.
البعد الإنساني: خطاب الابن وجرح الزمن الفلسطيني
شكّل خطاب عرب مروان البرغوثي لحظة إنسانية عالية الكثافة، حين أكّد أن كل عائلة فلسطينية تعاني من أسراها، وأنهم جزء لا يتجزأ من الكل الفلسطيني المعذَّب. لم يكن هذا القول استعارة لغوية، بل توصيفاً دقيقاً لبنية المعاناة الفلسطينية بوصفها معاناة جمعية، تتوارثها الأجيال كما يتوارث الناس أسماءهم وملامحهم.
حين اعتُقل مروان البرغوثي، كان ابنه عرب في الحادية عشرة من عمره. اليوم، وبعد أربعة وعشرين عاماً من الأسر، كبر الابن، وتغيّر الزمن، وبقي الأب ثابتاً في موقعه الأخلاقي والتاريخي، كأن السجن لم يكن قادراً على كسر المعنى، ولا على تعطيل الرسالة.
مروان والأمل: ضرورة تاريخية لا خياراً سياسياً
في زمن وصلت فيه القضية الفلسطينية إلى حدود الإنهاك، وإلى تخوم اليأس، وإلى حالة من العقم السياسي والفكري، يبرز مروان البرغوثي لا كشخصية تنظيمية، بل كـضرورة تاريخية.
هو أمل في استعادة المعنى بعد التآكل،
وأمل في وحدة وطنية بعد التمزّق،
وأمل في تجديد ديمقراطي يعيد الاعتبار للإرادة الشعبية الفلسطينية.
إن كاريزما مروان البرغوثي ليست نتاج خطاب أو شعبية عابرة، بل حصيلة تراكم نضالي وأخلاقي طويل، جعل منه نقطة التقاء بين الفعل الثوري والعقل السياسي، وبين الثبات المبدئي والقدرة على التجديد.
الرمز والوجود: مروان كتمثيل لنبض الشعب
يمثّل مروان البرغوثي نبض الشعب الفلسطيني، وقوة حضوره التاريخي. هو ابن شعب لم ينحنِ، شعب كان يموت واقفاً كالأشجار، شعب واجه المشروع الصهيوني لا بوهم القوة، بل بإرادة البقاء.
مروان ليس منفصلاً عن هذا الشعب، بل هو تجسيد مكثّف له: صوته حين يُقمع، وضميره حين يُشوَّه، وإرادته حين تُحاصَر.
المقاومة: منطق الحرية لا ثقافة الموت
يتخذ مروان البرغوثي المقاومة سبيلاً لتحرير وطنه وإقامة دولته، لا حباً بالقتل، ولا افتتاناً بالقتال، ولا تقديساً للموت، بل إيماناً بأن الحرية، في منطق التاريخ، لها ثمن. فالعدو الصهيوني لا يمنح الحقوق مجاناً، ولا يعترف بالوجود الفلسطيني إلا حين يُفرَض عليه الاعتراف فرضاً أخلاقياً وسياسياً.
المقاومة عند مروان ليست نزعة دموية، بل فلسفة تحرّر، وخياراً أخلاقياً مشروعاً في مواجهة استعمار استيطاني إحلالي.
تحية إلى الأسير الذي لم ينكسر
من موقعي الأكاديمي والوطني، أتوجّه بتحية إكبار وإجلال إلى القائد الأسير مروان البرغوثي، الذي أمضى أربعة وعشرين عاماً في سجون الاحتلال دون أن يستسلم أو ينهزم أو ييأس. بل على العكس، بقي مجدّد الأمل، ومجدّد الحلم، ومجدّد الانتصار في الذات الوطنية الجمعية، وفي الوعي الفلسطيني العام.
كلمة شكر وتقدير: الامتداد الذي لا يُعتقل
ولا يكتمل هذا المشهد دون توجيه شكر عميق وصادق إلى الأخ عرب مروان البرغوثي، الذي حمل رسالة أبيه إلى العالم بوعي ومسؤولية، ناقلاً صوته وصورته ومعناه إلى المنابر التي انتصرت فيها فلسطين أخلاقياً وإنسانياً. لقد أثبت أن السجن لا يعطّل الرسالة، وأن الأسر لا يكسر الامتداد التاريخي للقادة.
خاتمة: مروان كحلّ قيمي لا كخيار براغماتي
نحن لسنا مع مروان كشخص، ولا مع مروان كمصلحة، ولا ننطلق من منطلقات براغماتية ضيّقة، بل من منظومة قيم ومبادئ وإيمان وثقافة وطنية راسخة.
نؤمن أن مروان البرغوثي هو القادر على توحيد الكلّ الوطني الفلسطيني، وعلى إخراج القضية من مأزقها التاريخي، وعلى مواجهة مشروع اليمين الصهيوني الذي راهن على إنهاكنا وإلقائنا في يمّ العدم.






