بقلم: د. منى ابو حمدية
أكاديمية وباحثة في علم الآثار
أعلن الإعلام الإسرائيلي عن إقامة صلاة الفجر، صباح امس، في ما يُعرف بـمقام يوسف في مدينة نابلس، للمرة الأولى منذ خمسةٍ وعشرين عاماً، في حدثٍ جرى تقديمه بوصفه ممارسة دينية، بينما حمل في جوهره أبعاداً سياسية وأيديولوجية تتجاوز العبادة إلى الصراع على المكان والرواية والذاكرة.
جاءت هذه الصلاة عقب قرار وزير الجيش الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، توسيع ساعات الدخول إلى الموقع لتشمل ساعات النهار، في سابقة تمسّ موقعاً دينياً يقع في قلب مدينة فلسطينية خاضعة للسيادة المدنية الفلسطينية وفق الاتفاقيات الموقّعة. فالمقام هنا ليس معلماً معزولاً، بل جزء من النسيج العمراني والديني والتاريخي الحيّ لمدينة نابلس.
ومن الناحية العلمية والتاريخية، يُعدّ مقام يوسف معلماً دينياً اسلامياً خالصاً، يعود في بنائه ووظيفته إلى الحقبة العثمانية، ولا يرتبط في نشأته أو دلالته التاريخية بأي شعائر أو تقاليد يهودية. وقد ارتبط المقام بالذاكرة المحلية لمدينة نابلس، حيث نُسب إلى رجلٍ صالح يُدعى يوسف، وظلّ عبر قرون طويلة تحت رعاية المسلمين من أهالي المدينة، ضمن منظومة الأوقاف والزيارات الدينية، بعيداً عن أي توظيف توراتي لاحق أو ادعاءات دينية مستحدثة.
ولا يحمل المقام، وفق مناهج البحث الأثري، شواهد مادية أو طبقات أثرية تُثبت احتواءه على رفات النبي يوسف عليه السلام. فالفكرة المزعومة بـ «قبر يوسف عليه السلام» في هذا السياق تنتمي إلى خطاب توراتي( ديني-سياسي) متأخر، لا إلى الحقل العلمي أو التاريخ المقارن، وهو ما يجعل توصيف الموقع كمقام أكثر دقة وانسجاماً مع الحقائق المعمارية والتاريخية.
كما أن النبي الوحيد الذي يُعرف مكان دفنه هو “محمد” عليه الصلاة والسلام وهذا ما تم اثباته أثرياً.
وتكشف مشاركة شخصيات سياسية واستيطانية، من بينها رئيس المجلس الإقليمي «شومرون» وعضو الكنيست تسفي سوكوت، في هذا الحدث، عن تداخل واضح بين الطقس الديني والمشروع السياسي، حيث يُستدعى المقدّس لإعادة تعريف المكان وفرض رواية أحادية بالقوة الرمزية، تمهيداً لتكريس حضور استيطاني في عمق مدينة فلسطينية مأهولة.
الأخطر في هذا المشهد لا يكمن في الصلاة ذاتها، بل في ما تؤسس له من تحويل المقامات الإسلامية إلى أدوات صراع، ونقاط ارتكاز لمشاريع الهيمنة، عبر طمس الذاكرة المحلية للمكان وتغييب سياقه التاريخي الحقيقي. فالمواقع الدينية، وفق الأعراف الدولية، ليست ساحات مفتوحة لإعادة التأويل الأيديولوجي، بل شواهد حضارية يجب حمايتها من التسييس والاستغلال.
إن ما جرى في نابلس لا ينفصل عن مشروع أوسع لإعادة رسم الجغرافيا الرمزية لفلسطين، حيث تتحول الطقوس إلى أدوات سيادة، وتُستدعى النصوص القديمة لتبرير ممارسات معاصرة تخالف قواعد القانون الدولي ومنهجيات البحث العلمي معاً. وفي مواجهة ذلك، يبقى الوعي التاريخي، والمنهج الأكاديمي الرصين، وحق الفلسطينيين في حماية مقاماتهم الدينية، خطوط الدفاع الأساسية عن الحقيقة والمعنى.







