يقولون أن الانسانَ أحياناً يكون له نصيب من إسمه…هذا عرفته في أمير،الذي ولد وتربى بين كفيّن،كفُّ الايمان،وكفُّ الكبرياء،ونهَلَ َمن ثقافتين،ثقافة الدين وثقافة الوطن،ووعى من مصدرين،الكتاب،وما يراه بصره،وتسمعه اذنه،ويختزنه وعيّه الغَضُ من أفعال الغاصبين…يكبر معه،ويوازي سيره في مراحل الطفولة والفتوة والريعان…
وبالرغم من فِراشه الناعم،ولُقمته الطريّة،وابواب الرزق التي تحفه من كلِّ جانب،إلا أن جينات دمه لم تغرق في ملذات الدنيا،أو تُفتتن ببريقها اللّامع،بل سَبَحَتْ حيث أنفاسِ شعبه المظلوم…تماما كأمواج البحر التي تسابق الزمن نحو شاطيء الخلاص…
*
عندما كانت أمه تُعد لزيارة والده في السجن وهو صغير،كانت تكتنفه حالتان،الأولى مراقب صامت في داخله الف سؤال،والثانية متفاعل مغتبط يُحضر معها للحظة القاء غدا،ترى ماذا سيسمع منه؟وماذا سيقول له…؟إنها ليست المرة الأولى التي يعتقل بها الدكتور… إنها المرة الرابعة…وبين كلِّ مرّةٍ ومرّة قصص وحكايا،وأحاديث تعبر التاريخ،لم يكن والده الذي كان يستقبل المهنئين بالخلاص المؤقت من القيد يدرك أن هذه الذاكرة الصغيرة تشرب صفوة الكلام،وتختزن صور الأحداث…وتهضم رؤية المستقبل،كان أمير لا يحب أن ينتهي المشهد الذي يعيش،فهو يُبقر به بطون الماضي،ويستشرف المستقبل والمآلات دون أن يعلم،وكأنه يُصْنَعُ لشيء في القادم…القادم الذي ينتظره قبل ان يبلغ الأربعين ليسميه ” الأمير”…
وبين انتظار اللقب،وثقل محتوى النفس،خاض التجربة،وصقل المحتوى،وعاش القيد،وتلذذ في كلِّ لحظات المحنة من التحدي إلى الحرية،وأصبح مجتمعه ومن حوله من مثله،لقد شق الطريق،وتناغم تماما مع مكنوناته،واضعا قدمه على اول خطوات المسير.
*
هنا في سوق المدينة،سيارة جيب فاخرة تقف أمام أحد محلات الأحذية ذات الجودة العالية،تدخل الحانوت…تحاول أن تذهب بعينيك إلى البضاعة المرتبة بشكل أنيق،فتلتفت إلى زاوية من الصور والمقتنيات،صور لزعماء وقادة أحرار ورموز وثوار…وإلى جانبهم مجسم بلاستيكي لقاذف كتف،وبيت مسدس،وعصا مزينة من شجر السنديان…على طاولته إبريق القهوة العربية المرّة…عندما يسكب لك القهوة التي ترافقها إبتسامة هادئة بطيئة مُرَحِبَة،يريد من خلالها تذكيرك بمرارة ما نعيش،لكن بإسلوب مخفف…فالهيل هنا هو الاطمئنان للأمل…
القادمون اليه اليوم من الجولان،عناق صادق ومحبة على أرضية أن كلا التربيّن تحت وطئة الاحتلال،حديث مفعم بالأماني والثقة بالنصر مهما طال الزمن…يليهم أصدقاء ووفود من طولكرم ونابلس والقدس…وبطاقة دعوة لعرس في الخليل…كلَّ هؤلاء،ومن يجلسون عنده حصاد معرفة من بوابة الإحساس بوجع الوطن والشعب…
*
في الانتفاضة الثانية إعتقل،حاول والده أن يقنعه بالزواج،فقد تزوج أشقاءه،الأكبر والاصغر والاصغر،لم يفلح الوالد في حل لغز رفضه للزواج… ما يمنعه؟ لدية بدل البيت بيتين جاهزين مجهزين،ولدية حانوت كبير وفي وسط المدينة يملكة شخصيا،ولا يشاركه فيه أحد…سليم الصحة…متوجا بالعافية،يسابق الاخرين في حضور الافراح والمناسبات،له شأن ومكانة بين أهله وذوية وأهل بلده والبلدات الأخرى،يشارك في إصلاح ذات البين نظرا لرجاحة عقله وهدوءه،وإستعداده للبذل من ماله الخاص ليئد الفتن،ويفكك عقد النزاعات… فما باله لا يكمل نصف دينه؟
في الانتفاضة “الثالثة” التي هلت عليه وهو في سن السابعة والثلاثين،هاله حجم الدماء التي سالت،خاصة وأن عددا من هؤلاء الشهداء كانوا من أصدقاءه بالرغم من فارق السن بينه وبينهم…
كان لا تفوته مسيرة شهيد إلا وكان في مقدمتها،يلقي الكلمات التي تشحن النفوس وترفع الهمم،كانت بيوت عزاء الشهداء تألفه مهما كانت المسافة بعيدة عن بيته…لحظات الافراج عن الاسرى والمحررين في بلدته والجوار هو مِلْحُهَا،وهو مهندس معظم ترتيباتها،مُسيِّر فقراتها…حتى جاء ذلك اليوم الذي تسللت فيها قوة خاصة إلى قلب جنين،واغتالت بدم بارد كلا من السعيدين نضال الخازم ويوسف شريم…كانت الساعة وقتها قد اقتربت من الثالثة عصرا،وهو في حانوته التجاري…سمع أزيز الرصاص،أحس بجلبة من حوله…. تابع جهازه النقال فورا … تصفح أخبار المجموعات… أدرك ما يحدث… ترك الحانوت مفتوحا… بعد أن إستل غضبه وخرج…
*
كان يشهر سفه في عتمة الليل ويخرج عليهم ممتطيا اللثام،حتى يستمر ولا يقع صيدا سهلا في شباك اللئام،يعزف لحن التصدي على جدران اليامون…يمزق صمت الليل…ولا يغادر الا بعد أن ينكفئوا…يخرج بعض الشبان العطشى…يرونه… يشعرون بالغصة والالم …ليتنا نملك سيوفا مثلُ أمير…يعود أمير الى بيت عمته خِفية…يقفز من باب خلفيّ…يتسلل خفيف الخطى بعد أن اغمد سيفه في مكان آمن…
في ليلة صيف،إقتحموا يريدونه أسيرا،شعر بهم مبكرا،أسرع في القفز من النافذة الخلفية وتواري بين البيوت والازقة،إنتظر حتى يعرف ما جرى…كانت المداهمة لبيته وبيت عمته…علم بتهديدهم واعتقالهم المؤقت لوالده وإخوته وعمته… إما أن يسلم نفسه،وإما أن يموت …
لقد حملته المسيرة إلى هذا المنعطف،لذلك لا بد أن أذهب إلى المخيّم…هناك الأجواء الادفء،والحالة المحصنة التي تشبهني وأشبهها…
*
في المخيّم يعرفوه،ويعرفهم،لقد جاء جاهزا،سيفه بيده،وجعبته الثقيلة التي لم تمنع العناق تلف جسده…محمد وإسلام ويزن ومحمود ومصطفى وميسرة وعرفات واياد وايسر وآخرين،لقد اصطحبوه حيث كانوا يبيتون،هنا في هذا البيت الذي كان على الدوام ملاذا للثوار…احضروا له سريرا وغطاء،وبدأت سهرات اليقظة والحراسة التي حاولوا ان يعفوه منها الا أنه ابى…
كان يذهب كل صباح الى دكان “ام احمد الغزاوي” المجاور… يبتاع قطعة ” الكيك” وزجاحة العصير او المياه الغازية… يجلس في الزقاق على فرشة رقيقة… قبل ان تنهال عليه وجبات الإفطار من كلِّ نافذة تراه،واذا ما رُفِعَ آذان الظهر… فرش سجادته في الزقاق،ووضع سيفه على رأسها وصلى…رفض تلقي مخصصه المتواضع كباقي الرفاق،واصر على توزيعه على البيوت المجاورة والأطفال شهريا…كان يكتفي بسويعات من النوم الحذر،يستفيق ليحمى رفاقه من كلِّ غدر قد يلاقوه،ويعرقل كلَّ تسلل يحاول لدغهم،فقد أحبهم وأحبوه،وكأنه أب حانٍ يحرس أولاده، ويكلأهم بعينه التي لا تنام.
سأله رجل يعرفه : ما الذي جاء بك إلى المخيّم وأنت بهذا السن الذي يفرق بينك وبين من معك ؟
فقال : جئت أطلب الشهادة !!
*
من الحادي والعشرين الى الثالث والعشرين من كانون ثان من العام 2025،أخليَ المخيّم تماما من ساكنية،كان الهجوم واسعا،ارتقى في اليوم الأولى ثلاثة عشر شخصا…لكن أمير ورفيقه الشاب الصغير يزن الحسن لم يغادرا… لقد تعاهدا على الفوز بـ”أسمى الاماني”… تنقلا خلسة من حيّ إلى آخــر،ومن بيت إلى آخر،حتى حلَّ يوم الثلاثيـــن،في تلك الظهيـرة،كانا فــي “تقعيدة” بيت من بيوت المخيّم المرتفعة… مداهمة البيوت وإقتحامها متواصل… سريّة من الوحدات العسكرية الخاصة تمشط المنطقة…تتجه صعودا نحو البيت الذي يختبآن فيه…لقد اقتربت مجموعة الجنود التي كانت مكشوفة لامير ويزن من المكان،نظر كلٌّ منها للاخر وابتساما…لقد حانت لحظة اللحاق بمحمد وإسلام ومسيرة ومصطفى وعرفات وكلِّ من سبقونا…
دعنا تذهب اليهم بهدية يفرحوا بها…قال أمير ليزن…
إبتسم يزن وقال : أقل الواجب…
الان أصبحت السرية في مرمى الفوهات…صرخ أمير وهو يطلق العنان للزناد… اضرب
وبدأ المشهد الاخير،وبعد قرابة الساعة من تناثر حبيبات الموت في المكان…صعدت الى السماء طائرة مروحية تمسمرت في الجهة المقابلة للبيت،عاينت حيث كانوا،واطلقت حممها الثقيلة على “التقعيدة” ،فرحلا وهما يحملان هدية لمن سبقوهما…واحد شُطب من سجل البقاء،وثمانية حملت أجسادهم حبيبات الوجع…







