( انا لا اكتب مقالا فقط ، بل اعلن موقفا فكريا في قلب المعركة)
ليس الصراع الفلسطيني–الصهيوني نزاعاً عسكرياً أو حدودياً فحسب، بل هو في جوهره صراع فلسفي عميق على فكرة امتلاك المكان. فالأرض في هذا الصراع ليست مجرد جغرافيا صامتة، بل معنى، وذاكرة، وهوية، وحق وجود. من يملك الأرض؟ ومن يملك الحق في تعريفها؟ هذا هو السؤال المركزي الذي يدور حوله الصراع منذ أكثر من قرن.
قامت الصهيونية، منذ نشأتها، على تحويل النص الديني إلى مشروع سياسي، وعلى نقل الوعد التوراتي من فضائه اللاهوتي المغلق إلى ساحة الفعل الاستعماري الحديث. هكذا لم تعد فلسطين أرضاً مأهولة بشعب حيّ له تاريخ متصل بالمكان، بل تحولت في المخيال الغربي إلى فكرة مؤجلة، وإلى “أرض بلا شعب” جاهزة لإسقاط مشروع سياسي عليها بالقوة.
نجح تيودور هرتزل في اختراق العقل الغربي حين قدّم الصهيونية بوصفها حلاً حضارياً للمسألة اليهودية في أوروبا، لا بوصفها مشروعاً دينياً. الدولة اليهودية، في خطابه، لم تكن استعماراً، بل ضرورة تاريخية لحماية اليهود من الاضطهاد. غير أن المفارقة الأخلاقية الكبرى تمثلت في أن أوروبا لم تعالج أزمتها داخل فضائها، بل صدّرتها إلى الشرق، وحوّلت الفلسطيني إلى ضحية بديلة لذنب لم يرتكبه.
مع قيام دولة إسرائيل، لم يُنتزع المكان الفلسطيني بالقوة العسكرية فقط، بل أُعيدت صياغته رمزياً وثقافياً. قُرى مُسحت من الخريطة، أسماء عُدّلت، معالم غُيّرت، وذاكرة جماعية جرى استبدالها بذاكرة مصطنعة. كانت نكبة عام 1948 لحظة اقتلاع أنطولوجي، لم يُهجَّر فيها الفلسطيني من بيته فحسب، بل من علاقته الطبيعية بالمكان، ومن تاريخه، ومن تعريفه لذاته.
في المقابل، قامت الدولة الصهيونية على دمج الدين بالقومية، فجعلت من الهوية اليهودية شرطاً للمواطنة، ومن الدولة أداة لإنتاج هوية مغلقة. لم تعد الدولة إطاراً سياسياً محايداً، بل أصبحت تجسيداً لفكرة واحدة تُقصي ما عداها. وهنا يتجلى التناقض البنيوي: دولة تدّعي الديمقراطية، لكنها تقوم على تعريف إثني–ديني حصري للمكان والإنسان.
لعب الفكر البروتستانتي الأوروبي دوراً محورياً في تمهيد الطريق أمام الصهيونية، عبر الإيمان بضرورة “عودة اليهود إلى أرض الميعاد” بوصفها تحقيقاً للنبوءات التوراتية. ثم جاءت ثورة الأنوار، فحرّرت اليهود من العزلة الاجتماعية، ومنحتهم حقوق المواطنة، لكنها في الوقت ذاته أعادت تعريفهم كقضية سياسية تحتاج إلى حل قومي. هكذا التقت الأسطورة الدينية مع العقل التنويري في لحظة تاريخية واحدة، فمهّدت الطريق للمشروع الصهيوني الحديث.
إن جوهر الصراع اليوم لا يدور فقط حول حدود أو اتفاقيات أو ترتيبات أمنية، بل حول سؤال فلسفي خطير:
هل يُبنى الحق على الأسطورة أم على الوجود الإنساني الحي؟
هل تمنح القوة شرعية، أم أن الشرعية تسبق القوة وتعلو عليها؟
الفلسطيني، في هذا الصراع، لا يدافع فقط عن قطعة أرض، بل عن معنى المكان بوصفه علاقة حياة، لا غنيمة حرب. وهو لا يواجه دولة فقط، بل منظومة فكرية كاملة حاولت نفيه من التاريخ ومن الجغرافيا معاً.
خاتمة: بيان في الدفاع عن الإنسان والمكان
ما يجري اليوم في فلسطين، من حرب مفتوحة على غزة، واستباحة متواصلة للضفة الغربية، وتسريع تهويد القدس، ليس حرباً عابرة ولا رداً أمنياً، بل محاولة نهائية لحسم الصراع لصالح فكرة واحدة، عبر الإبادة، والتهجير، وكسر إرادة البقاء. ما نشهده هو إعادة إنتاج واعية للنكبة، ولكن بأدوات أكثر وحشية، وتحت غطاء دولي أكثر نفاقاً.
لقد بلغ المشروع الصهيوني في لحظته الراهنة درجة من الوضوح لم يعد معها قادراً على إخفاء طبيعته الإقصائية:
لا سلام دون إخضاع،
ولا دولة دون محو الآخر،
ولا مكان إلا لمن ينتمي إلى الفكرة الواحدة.
وفي المقابل، تحوّل الوجود الفلسطيني اليوم إلى معيار أخلاقي عالمي. فالفلسطيني، وهو يواجه القتل والحصار والتجويع، لا يدافع فقط عن وطنه، بل يفضح سقوط النظام الدولي الذي يتغنى بحقوق الإنسان، ثم يصمت أمام الإبادة، أو يبررها بلغة السياسة.
إن أي حديث عن سلام أو تسوية لا يبدأ بإنهاء الاحتلال، ووقف العدوان، والاعتراف الصريح بالحق الفلسطيني في الأرض والدولة والعودة، هو حديث زائف، يُعيد إنتاج الصراع ولا ينهيه. فلا سلام يُبنى على أنقاض شعب، ولا شرعية تُستخرج من فوهة بندقية، ولا قوة تستطيع أن تتحول إلى حق مهما طال الزمن.
فلسطين اليوم ليست هامشاً في السياسة الدولية، بل مركز السؤال الإنساني الأكبر:
هل ما زال للعدالة معنى؟
هل ما زال للإنسان قيمة؟
هل ما زال للقانون الدولي وزن أمام سطوة القوة؟
إن الصراع على فلسطين هو صراع على مستقبل العالم ذاته:
إما عالم تحكمه القوة العارية،
أو عالم يُعاد فيه الاعتبار للحق، وللمكان بوصفه علاقة إنسانية لا غنيمة استعمارية.
ومن هنا، من فلسطين، نقولها بوضوح فلسفي ونضالي:
لن يُهزم شعب يدافع عن وجوده،
ولن تنتصر فكرة قامت على الإلغاء،
وسيبقى المكان فلسطينياً…
لأن الحق، مهما حورب، لا يموت.









