لم تكُن جزيرة “ليتل سانت جيمس” في بحر الكاريبي مجرد ملكية خاصة للملياردير المثير للجدل، جيفري إبستين. كانت، في حقيقتها الأشد قتامة، نموذجاً مصغراً عن عالم موازٍ كامله من الفساد المطلق، حيث تُباع القوانين كما تُباع الأجساد، وتُشترى الذمم كما تُشترى الضمائر. إن قصة إبستين ليست قصة رجل انحرف فحسب، بل هي قصة اختراق منهجي لكل حواجز الحماية المجتمعية والقانونية والأخلاقية التي من المفترض أن تحمي الضعفاء. إنها قصة عن كيف يمكن للمال والعلاقات والنفوذ أن ينسجوا معاً خيوط شبكة عنكبوتية عالمية، تلتقط ضحاياها من أوساط الفقر واليأس، وتقدمهم قرابين على مذبح شهوات نخبة من المفترض أنها تمثل وجهاً من وجوه المجتمع الراقي. هذا التحقيق ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو تشريح لعملية إنتاج الفساد على أعلى المستويات، وكيفية تحويل الفتيات القاصرات، اللواتي كنّ يبحثن عن فرصة لحياة أفضل، إلى عملة يتاجر بها في سوق أسرار وولاءات النخبة العالمية.
لم يبدأ الأمر كجريمة مفاجئة، بل كنموذج أعمال شيطاني بُني ببطء وحنكة. فإبستين، الرجل الذي يكتنف الغموض مصدر ثروته الحقيقية، لم يخترع آلة الاستغلال من العدم. لقد وظف أدوات العالم المشروع لخدمة عالمه المنحرف. استغل منصبه كرجل مال ذي علاقات مع أكبر البنوك ومراكز الفكر العلمي المرموقة، مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وحتى مع شخصيات مثل الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ في فترة سابقة، ليصنع لنفسه هالة من المصداقية والاحترام. كانت هذه الهالة هي الطُعم الذي جذب إليه الضحايا من جهة، وغسل به سمعته أمام العلن من جهة أخرى. كيف يمكن لفتاة مراهقة أو لعائلتها أن تشك في نوايا رجل يُصور على أنه محسن وعالم وفاعل خير؟ هنا تكمن الخطوة الأولى في آلية الخداع: تحويل الجاني إلى صورة البطل، وتقديم الجريمة في قالب من “الفرص” أو “المساعدة”. كانت الفتيات، معظمهن من خلفيات متواضعة أو من أسر مفككة، يُجلبن بوعود وظائف عارضات أزياء أو تدريبات أو حتى مساعدات مالية بسيطة. لكن الباب الذي دخلن منه إلى عالم إبستين كان يغلق خلفهن ليُفتحن على متاهة من الإيذاء النفسي والجسدي المنظم.
لكن آلة إبستين لم تكن لتعمل بهذه الكفاءة المروعة لولا وجود نظام دعم متكامل. وهذا يقودنا إلى القلب الميكانيكي للفضيحة: الشبكة. لم يكن إبستين عميلاً منفرداً، بل كان مديراً لشبكة واسعة من المساعدين والوسطاء والمستهلكين. يأتي في مقدمتهم شريكته المقربة، غيسلين ماكسويل، ابنة الناشر الإعلامي الثري روبرت ماكسويل، والتي استخدمت خلفيتها الأرستقراطية وروابطها الاجتماعية لتكون واجهة أنثوية مغرية و”موثوقة” لتجنيد الفتيات. لقد كانت ماكسويل المفتاح الذي فتح أبواب الثقة، حيث استدرجت الفتيات إلى حفلات وجلسات في قصور إبستين. إلى جانبها، برز اسم جان لوك برونيل، عراب الأزياء الفرنسي الذي استغل وكالة عارضاته في باريس لاصطياد فتيات قاصرات بحجة منحهن فرص عمل عالمية. وكان هناك أيضاً محاميه ومدير أعماله، جيسون ليبلي، الذي كان العقل التنظيمي والوسيط في تنظيم “المواعيد” وتسيير الطائرة الخاصة، طائرة “لوليتا إكسبريس” السيئة السمعة، التي نقلت الضحايا والشخصيات المرموقة بين قصوره في نيويورك وفلوريدا وجزيرته الخاصة. هذه الشبكة لم تكن مجموعة عشوائية، بل كانت هيكلاً هرمياً يعمل بكفاءة مؤسسية، يجمع الضحايا، ويوزع الخدمات، ويحافظ على السرية.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً: من كان “زبائن” هذه الشبكة؟ وثائق المحكمة والإفادات التي رُفعت عنها السرية جزئياً أطلقت العنان لأسماء تهز أركان المجتمعات. الأمير أندرو، دوق يورك، أصبح اسمه مرادفاً للفضيحة بعد اتهامات مفصلة من الضحية فرجينيا جيوفري بممارسة الجنس معها وهي قاصر، اتهامات أنكرها بشدة لكنه اضطر في النهاية إلى دفع تسوية مالية ضخمة خارج أروقة المحكمة لتجنب محاكمة علنية. بيل كلينتون، الرئيس الأمريكي السابق، ورد اسمه عشرات المرات في الوثائق كضيف متكرر على طائرة إبستين وجزيرته، رغم عدم وجود اتهامات مباشرة ضده. دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي السابق أيضاً، ظهر في الصورة بسبب صداقته الاجتماعية القديمة مع إبستين، والتي وصفه خلالها سابقاً بأنه “رجل رائع”. كما طفت على السطح أسماء رجال أعمال بارزين، وعلماء ذوي شهرة عالمية مثل مارفن مينسكي، أحد رواد الذكاء الاصطناعي. إن مجرد وجود هذه الأسماء في محيط الجريمة، بغض النظر عن درجة تورط كل منها، يطرح تساؤلاً وجودياً عن طبيعة العلاقات في قمة الهرم الاجتماعي. هل كان هؤلاء يجهلون تماماً ما يدور؟ أم أن ثقافة الصمت والتغاضي كانت السائدة في ذلك العالم المغلق؟
وإذا كانت الشبكة هي الجسد، فإن الحماية كانت الدرع. لقد تمتعت آلة إبستين بحماية مزدوجة: حماية قانونية مشبوهة، وحماية إعلامية صامتة. الحلقة الأكثر إثارة للغضب في القصة كانت في عام 2008، عندما تم إبرام صفقة “سكّوت” بين محامي إبستين والمدعي العام الفيدرالي في ميامي آنذاك، ألكسندر أكوستا، الذي أصبح لاحقاً وزيراً للعمل في إدارة ترامب. هذه الصفقة، التي تفاوض عليها محامي إبستين من خلف ظهر الضحايا، خفضت التهم الموجهة إليه من جناية الاتجار الجنسي بالأطفال إلى مخالفة مراهنة بالبالغين، وأمضى على إثرها 13 شهراً فقط في سجن مقاطعة، سُمح له خلاله بالمغادرة لمكتبه لمدة 12 ساعة يومياً، ستة أيام في الأسبوع. لقد كانت صفقة أبرمت في الظلام، تجاهلت حقوق أكثر من 40 ضحية معروفة في ذلك الوقت، وأرسلت رسالة واضحة مفادها أن القوانين لا تنطبق على الأثرياء والأقوياء بنفس القوة التي تنطبق على غيرهم. إلى جانب هذه الحماية القانونية الفاضحة، كان هناك صمت إعلامي مريب لسنوات. فمع أن التقارير عن سلوك إبستين بدأت تظهر منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلا أن التغطية الإعلامية الجدية لم تبدأ إلا بعد أن تحركت صحيفة “ميامي هيرالد” بقوة في 2018. هذا الصمت يطرح تساؤلات عن ضغوط ربما مورست على وسائل الإعلام، أو عن عدم رغبتها في مواجهة شبكة من المحامين الأقوياء ورجال العلاقات العامة.
ولكن، كما في كل الملاحم المأساوية، كان هناك نقطة ضعف في البنية الفولاذية لشبكة إبستين: صوت الضحايا. فقد تحولت بعض الفتيات القاصرات السابقات إلى نساء قررن كسر حلقة الصمت والخوف. أبرزهن كانت فرجينيا جيوفري، التي أصبحت الوجه العلني للقضية، وروت قصتها بتفاصيل مروعة أمام الكاميرات والمحاكم. شهادتها، إلى جانب شهادات أخريات مثل “كورتني وايلد”، لم تكن مجرد روايات شخصية، بل كانت أدلة حية على نظام استغلال منظم. لقد حوّلن أنفسهن من ضحايا صامتات إلى مدافعات شرسات عن الحق، ودفعن ثمن ذلك غالياً من تعرضهن للتشهير والمضايقة. لكن إصرارهن هو الذي فتح الباب أمام تحقيق استقصائي أوسع، وأجبر المؤسسات على فتح ملفاتها القديمة، وسحب البساط من تحت أقدام من اعتقدوا أنهم بمأمن من المحاسبة.
ثم جاءت اللحظة الحاسمة: موت إبستين نفسه. في العاشر من أغسطس 2019، عُثر على إبستين مشنوقاً في زنزانته في مركز مانهاتن الإصلاحي، حيث كان ينتظر المحاكمة بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرات. أعلنت السلطات أن سبب الوفاة كان انتحاراً. لكن الظروف المحيطة بوفاته – من إزالته من قائمة المراقبة المشددة، إلى تعثر الحراس في إجراء جولات التفتيش، إلى وفاة شريكه في الزنزانة قبل فترة وجيزة – غذت على الفور نظريات لا تُحصى. هل كان انتحاراً حقاً تحت وطأة الضغط؟ أم كان انتحاراً “مُسهلاً” أو متسامحاً معه من قبل أشخاص داخل السجن؟ أم كان عملية تصفية متقنة لمنعه من الكشف عن أسماء عملائه الأقوياء في المحكمة؟ تقرير الطب الشرعي أكد الشنق، لكن الغموض يبقى السيد الأكبر. موته لم يطوِ الصفحة، بل جعل منها لغزاً أكثر تعقيداً، وحوّل القضية من محاكمة لرجل إلى بحث عن حقيقة قد تكون مدفونة معه.
اليوم، بعد سنوات من فتح الملف، تبقى الأسئلة أكبر من الأجوبة. لقد كشفت القضية الستار عن فجوة أخلاقية هائلة في قلب دوائر النفوذ العالمية. لقد أظهرت كيف يمكن للفساد أن يتغلغل في شكل “علاقات اجتماعية” و”خدمات شخصية”، وكيف يمكن تحويل الجريمة إلى سلعة في سوق نخبوي مغلق. إن دروس قضية إبستين ليست عن رجل شرير وحيد، بل عن بيئة كاملة مكنت هذا الشر وسمحت له بالازدهار. إنها تحذير من خطر انفصال النخبة عن منظومة القيم المشتركة، وتحذير من أن شبكات الحماية والولاءات الشخصية يمكن أن تصبح أقوى من القانون نفسه. الأهم من ذلك، هي قصة تذكير بأن العدالة الحقيقية لا تكمن فقط في محاكمة الجناة، بل في إصلاح النظام الذي سمح لهم بالوجود من الأساس، وفي الاستماع دائماً، وبكل جدية، إلى أصوات الذين لا يملكون سوى حقيقتهم ليواجهوا بها جبروت العالم. جزيرة الجحيم قد تكون مغلقة، لكن الطريق المؤدي إليها ما زال مفتوحاً، وما زال بحاجة إلى حراس أمناء.







