تسريب وثائق جزيرة إبستين مقاربة تحليلية في التوقيت، والوظيفة السياسية، وصراع الإرادات داخل القرار الأمريكي

د. صالح الشقباوي

أستاذ الفكر السياسي والفلسفي
جامعة الجزائر 2
تتناول هذه الدراسة البعد السياسي غير المعلن لتسريب وثائق جزيرة جيفري إبستين، من خلال تحليل توقيت الإفراج عنها، وسياقها الجيوستراتيجي، وعلاقتها بالخلاف المتصاعد داخل مراكز القرار الأمريكي، لا سيما في ما يتصل برفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانخراط في حرب مباشرة ضد إيران، رغم الضغوط الإسرائيلية المستمرة. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الوثائق، بعيدًا عن بعدها الأخلاقي والقضائي، أُعيد توظيفها كأداة ضغط سياسية ضمن صراع الإرادات بين الدولة العميقة، والقرار الرئاسي، واللوبي الإسرائيلي.
أولًا: إشكالية الدراسة ومنهجها
تطرح الدراسة الإشكالية الآتية:
هل يمكن فصل تسريب وثائق إبستين عن السياق السياسي الدولي، أم أن التوقيت يعكس وظيفة ضغط سياسية مرتبطة برفض الحرب على إيران؟
تعتمد الدراسة المنهج التحليلي–التفسيري، مع الاستناد إلى:
تحليل السياق الدولي (Contextual Analysis)
تفكيك العلاقة بين القرار السياسي والفضائح المُدارة
مقاربة نظرية القوة الناعمة والخشنة (Joseph Nye)
ثانيًا: التوقيت بوصفه أداة سياسية
في العلوم السياسية، لا يُعد التوقيت عنصرًا محايدًا. فالإفراج عن وثائق شديدة الحساسية بعد سنوات من حجبها يفتح الباب أمام سؤال مركزي:
لماذا الآن؟
يتزامن التسريب مع:
رفض ترامب تنفيذ مطالب إسرائيلية صريحة بتوجيه ضربة عسكرية لإيران
تصاعد الحديث عن بدائل دبلوماسية أو تفاهمات غير مباشرة مع طهران
تزايد النفوذ الصيني–الروسي في الإقليم
وعليه، يصبح التسريب جزءًا من سياسة الرسائل غير المباشرة.
ثالثًا: نتنياهو واستراتيجية جرّ الولايات المتحدة إلى الصدام
تُظهر التجربة التاريخية أن بنيامين نتنياهو بنى استراتيجيته الأمنية على:
تحويل التهديد الإيراني إلى تهديد عالمي
تحميل الولايات المتحدة كلفة المواجهة
الحفاظ على تفوق إسرائيل الإقليمي عبر الحرب لا التسوية
غير أن هذه الاستراتيجية تصطدم اليوم بحسابات أمريكية مختلفة:
إنهاك الداخل الأمريكي
كلفة الحرب الاقتصادية
خطر توسع الصراع إلى مواجهة دولية أوسع
رابعًا: ترامب بين منطق الدولة ومنطق اللوبي
رغم الخطاب الشعبوي، تعامل ترامب مع الحرب بمنطق:
المنفعة الأمريكية المباشرة
رفض الحروب المفتوحة
تفضيل الصفقات والاحتواء
وهنا يظهر التناقض بين:
القرار الرئاسي المنتخب
ومراكز النفوذ غير المنتخبة (إعلام، استخبارات، لوبيات ضغط)
وتُستخدم الفضائح، تاريخيًا، كوسيلة لتأديب القرار الخارج عن الإجماع التقليدي.
خامسًا: وثائق إبستين كأداة في الصراع الداخلي الأمريكي
لا تنفي هذه الدراسة البعد الجنائي والأخلاقي للقضية، لكنها تؤكد أن:
إعادة فتح الملفات
اختيار التوقيت
توسيع دائرة الأسماء
كلها عناصر تشير إلى إعادة توظيف سياسي للفضيحة، بما ينسجم مع منطق “الحكم عبر الإحراج” بدل الانقلاب المباشر على القرار السياسي.
سادسًا: المتغير الدولي (الصين وروسيا)
تغير بنية النظام الدولي يفرض على واشنطن:
تجنب فتح جبهات جديدة
إدارة الصراع بدل حسمه عسكريًا
عدم دفع إيران أكثر نحو المعسكر الشرقي
ومن هنا، فإن الحرب على إيران لم تعد خيارًا أمريكيًا عقلانيًا، بل مغامرة استراتيجية.
خاتمة
تخلص الدراسة إلى أن تسريب وثائق جزيرة إبستين لا يمكن قراءته خارج سياق الصراع على القرار داخل الولايات المتحدة، ولا خارج محاولة الضغط على رئيس رفض الانخراط في حرب لا تخدم المصالح الأمريكية العليا.
إننا أمام نموذج معاصر لـ:
السياسة بوصفها إدارة للفضائح، لا فقط إدارة للجيوش.
ويبقى السؤال البحثي المفتوح: هل انتقلت أدوات الضبط السياسي في الديمقراطيات الكبرى من صناديق الاقتراع إلى أرشيف الفضائح