حين يتحدث قادة الحركات عن “الإنجازات التاريخية”، يصبح من حق الشعوب أن تسأل:
أيّ إنجاز؟ وبأي ثمن؟ ولصالح من؟
ليس من حق أحد، كائنًا من كان، أن يفرض على شعبٍ منكوبٍ رواية النصر، بينما يقف هذا الشعب فوق ركام بيوته، ويبحث عن أبنائه في المقابر الجماعية، وتحت الأنقاض، وفي المجهول.
خطاب خليل الحيّة عن “انتصار حماس” لا يمكن قراءته خارج الواقع الكارثي الذي يعيشه قطاع غزة، ولا خارج ميزان العقل، ولا خارج حسابات الخسارة والربح الوطنية، لا الفصائلية.
أولًا: ما الذي تحقق فعليًا على الأرض؟
إذا أردنا تقييم أي فعل سياسي أو عسكري، فالمعيار ليس الشعارات، بل النتائج:
قطاع غزة دُمّر بالكامل من شماله إلى جنوبه: مدن، مخيمات، أحياء، بنية تحتية، جامعات، مستشفيات، مدارس.
ربع مليون إنسان بين شهيد وجريح ومفقود ومعاق، وفق تقديرات متداولة، غالبيتهم من المدنيين: أطفال، نساء، شيوخ.
مليونان من البشر شُرّدوا إلى خيام النزوح، بلا ماء، بلا كهرباء، بلا كرامة، بلا أفق.
لا صحة، لا تعليم، لا خدمات، لا اقتصاد، لا مقومات حياة.
إذا كان هذا هو “الإنجاز”، فكيف يبدو الفشل إذًا؟
ثانيًا: المقابر… حين يُهزم الموت نفسه
من أبشع ما خلّفته الحرب، ليس فقط عدد الشهداء، بل ضياع الشهداء:
مقابر مُسحت عن وجه الأرض، اختفت معالمها، اختلطت عظام الموتى بالتراب.
مئات الجثامين سُرقت من قبل الاحتلال، بذريعة البحث عن جنوده.
عائلات لا تعرف:
هل ابنها شهيد؟
أم مفقود؟
أم معتقل؟
أم دُفن بلا اسم؟
أي نصر هذا، حين لا يجد الموتى قبورهم، ولا الأحياء يقينهم؟
ثالثًا: ملف الأسرى… الأرقام لا تكذب
قبل السابع من أكتوبر، كان عدد الأسرى الفلسطينيين معروفًا، ومحدودًا نسبيًا.
اليوم:
آلاف المعتقلين الجدد، كثيرون منهم مجهولو المصير.
لا معلومات واضحة: من حيّ؟ من مات تحت التعذيب؟ من اختفى؟
صفقات التبادل السابقة أفرجت عن أعداد، نعم،
لكن الرقم الصافي اليوم أكبر، وأخطر، وأقسى.
الإنجاز الحقيقي يُقاس بما تُحرره لا بما تضاعفه من مآسٍ.
رابعًا: العالم… مع من تعاطف فعلًا؟
أخطر ما في خطاب “الانتصار” هو تزوير الوعي:
العالم لم يتعاطف مع حماس.
العالم تعاطف مع:
الطفل تحت الركام
الأم التي تحمل كفن ابنها
الشيخ الذي يموت في خيمة
مدينة تُمحى عن الخريطة
القضية الفلسطينية كانت في صدارة المشهد قبل حماس، وستبقى بعد حماس.
غزة لم تصبح مرئية لأن فصيلًا قرر ذلك، بل لأن الدم الفلسطيني فاض عن قدرة العالم على تجاهله.
القول إن “حماس أعادت القضية إلى الواجهة” هو تبسيط مضلل، بل افتراء على تاريخ شعب كامل.
خامسًا: تمخّض الجبل… فماذا وُلد؟
قيل لنا:
زلزال استراتيجي
تغيير معادلات
انتصار تاريخي
لكن ما الذي وُلد فعليًا؟
وطن مدمّر
مجتمع مسحوق
جيل كامل بلا مستقبل
احتلال أكثر توحشًا
وواقع سياسي أسوأ مما كان
إن لم يكن هذا تمخّض الجبل فولادة الفأر، فماذا يكون؟
بل لعلّ الحقيقة أقسى:
لم يُولد فأر… بل وُلد خرابٌ كامل.
في ختام سطور مقالي:
ليس المطلوب جلد الذات،
ولا تبرئة الاحتلال،
ولا نزع حق المقاومة عن أي شعبٍ واقعٍ تحت الاحتلال.
المطلوب فقط العقل.
والمساءلة.
والصدق مع الناس.
لا أحد يملك حق إعلان النصر فوق قبور المجهولين، ولا فوق خيام النازحين، ولا فوق وطنٍ مُسح من الجغرافيا.
الانتصار الحقيقي لا يُقاس بما تقوله المنابر،
بل بما يبقى للشعب ليعيش.
وغزة اليوم… لا تملك حتى حق الحياة.







