السياسي – في أي مكان آخر من هذا العالم، يبدأ طريق المريض إلى العلاج من باب المستشفى؛ في غزة، يبدأ من بوابة السياسة، ويمر عبر الأمن، ولا ينتهي بالضرورة عند الطبيب، لأن الاحتلال حوّل الغزّي إلى ملف، لا كإنسان.
ما يُقدَّم اليوم بوصفه “فتحا لمعبر رفح” لا يمكن قراءته باعتباره انفراجا إنسانيا حقيقيا، بقدر ما هو إعادة تنظيم للحصار بصيغة أكثر هدوءا وأشد إحكاما. فالحركة ليست حرّة، ولا قائمة على الحق الطبيعي في التنقّل، بل محكومة بقوائم، وأرقام، وموافقات أمنية مسبقة، تجعل من أبسط الحقوق استثناء مؤقتا لا قاعدة.
وفق الترتيبات المعمول بها حاليا، وبصورة شبه مؤكدة، فإن الخروج من غزة لا يُتاح للناس بصفة عامة، بل يقتصر أساسا على نحو خمسين مريضا يوميا، يُسمح لكل واحد منهم بمرافقين اثنين فقط، وبعد اجتياز إجراءات أمنية معقدة ومشددة. بعبارة أوضح: المعبر لا يُفتح للمجتمع، بل لحالات طبية محددة، تُدار باعتبارها ملفات فردية لا سياقا إنسانيا عاما.
في المقابل، يُسمح بخروج ما يقارب ثلاثة أضعاف هذا العدد يوميا من قطاع غزة، أيضا بعد اجتياز الإجراءات الأمنية ذاتها، بينما يُقيَّد الدخول إلى القطاع بأعداد أقل بكثير، لا تتجاوز في الغالب خمسين شخصا يوميا.
هذا الخلل لا يمكن التعامل معه كتفصيل إداري، لأنه يعكس اتجاها واضحا في إدارة الحركة: الخروج أسهل من الدخول، والمغادرة أوسع من العودة، وكأن المعبر يُستخدم لإعادة هندسة الواقع السكاني بهدوء، وبأدوات بيروقراطية، وتحت غطاء إنساني.
وهنا تفرض الأسئلة نفسها دون مواربة: ماذا عن آلاف الحالات الأخرى التي لا تندرج تحت بند “المرض”؟ ماذا عن الطلبة الذين تعطلت دراستهم؟ ماذا عن أصحاب الأعمال، والموظفين، ومن لديهم ظروف عائلية قاهرة؟ وماذا عن عشرات الآلاف الذين خرجوا في مراحل سابقة ويرغبون بالعودة إلى بيوتهم؟
قوائم الانتظار الخاصة بالعودة إلى غزة شهدت تسجيل أكثر من عشرين ألف شخص، جميعهم معلّقون بين رغبة مشروعة في العودة، وواقع يُدار بمنطق أمني بحت، لا يعترف بحق العودة بوصفه حقا طبيعيا، بل يتعامل معه كطلب قابل للتأجيل أو الرفض.
نحن نفهم تماما الحاجة الملحّة لأهلنا في غزة إلى العلاج، والسفر، والنجاة من واقع صحي وإنساني منهار بفعل القصف والحصار، ولا يمكن لأي خطاب مسؤول أن يستخفّ بهذه الضرورات أو يزايد عليها، لكن تفهّم الحاجة الإنسانية لا يعني القبول بصيغة تُحوِّل المعبر إلى صمام تهجير صامت، ولا يبرر الصمت على سياسة تُسهِّل الخروج وتُقيِّد العودة.
فالنتيجة العملية لهذه المعادلة واضحة: يتزايد عدد المغادرين، وتتراكم ملفات “العلاج في الخارج”، وتتآكل إمكانية العودة، وتُفرَّغ غزة من سكانها بالتدرّج، لا بالصدمة.
هنا تبرز مسؤولية مباشرة على وسطاء الاتفاق وكل من يتحدث باسم “الترتيبات الإنسانية”. فالدور المطلوب لا يقتصر على إدارة الأرقام أو تسهيل الإجراءات، بل يتمثل في حماية التوازن الإنساني والسكاني، وضمان ألا يتحول الخروج إلى مسار أحادي الاتجاه، وألا تصبح العودة حقا نظريا بلا آلية واضحة.
المعابر ليست أدوات تقنية محايدة، بل قرارات سياسية ذات أثر وجودي، وأي صيغة تسمح بخروج أعداد تفوق بكثير أعداد الداخلين، تحت سيطرة الاحتلال وبموافقته الأمنية، هي صيغة تخدم عمليا إعادة إنتاج السيطرة طويلة الأمد، حتى لو غُلِّفت بلغة إنسانية ناعمة.
وفي الوقت الذي يُفتَّش فيه الغزّي، ويُدقَّق في اسمه، ويُقاس حقه في الحركة والعلاج بعدّاد يومي، يتحرك مرتكبو الإبادة بحرية شبه كاملة في العالم. هنا تبلغ المفارقة ذروتها، فالسفّاحون والقتلة الذين تمت إدانتهم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لا تُغلق في وجوههم المطارات، ولا تُقيَّد تحركاتهم، ولا يُطلب منهم أي تنسيق أو تبرير، بل على العكس، يُعاد إدماجهم سياسيا، ويُقدَّمون شركاء في مسارات تُعنون نفسها بـ”السلام”.
أي سلام يمكن أن يُبنى فيما يُترك الضحايا خلف الحواجز، ويُمنح الجناة مقاعد في واجهته؟ إن السلام الذي يتجاوز العدالة ليس سلاما، والحلول التي تتجاهل المحاسبة ليست حلولا، وأي مسار “إنساني” لا ينتهي بوقف القتل ومساءلة المسؤولين عنه، يبقى مسارا ناقصا، بل وخطيرا.
غزة لا تحتاج ممرات فحص، ولا تحتاج إدارة محسّنة للحصار، بل تحتاج وقفا حقيقيا للعدوان، وفتحا متوازنا وغير مشروط للمعابر، وضمانات واضحة لحق الناس في العلاج والعودة معا.
أما تحويل الغزّي إلى “حالة إنسانية خاضعة للفحص الأمني”، فهو أخطر من الحصار نفسه، لأنه يطبع الجريمة، ويُفرغ العدالة من مضمونها، ويجعل من المُدانين بالإبادة شركاء في رسم مستقبل ضحاياهم.
غزة لا تحتاج شهادة براءة من أحد، ولا اعترافا بإنسانيتها من نظامٍ بنى وهمَ أمنه على إبادتها؛ هي ليست وباء، ولا عبئا، ولا “حالة إنسانية” تُدار بالجداول والقوائم، بل هي أرضٌ محاصَرة لأن أهلها اختاروا الصمود، وشعبٌ يُستهدف لأن إرادته في المقاومة تُربك مشروع السيطرة وتُفشل منطق الإخضاع.
ما يجري على المعابر ليس خللا إداريا، بل سياسة تهدف إلى كسر الإرادة عبر تفريغ المكان من أهله، قطرة قطرة، وبأختام رسمية.
غزة لا تراهن على هذا العالم، ولا تنتظر عدالته، ولا تطلب شفقته، هي فقط تفضح الجريمة، وتقاومها، وترفض أن تُدار حياتها كملف، أو أن يُعاد تعريف صمودها كاستثناء. وغزة، ما دامت تقاوم، ستبقى عصيّة على التحويل إلى معبر.
- عدنان حميدان






