بين مفاوضات إسطنبول وحرب تقترب من طهران

زياد حلبي

صحيح أن الشكّ يغلب اليقين عشية المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة التي تُعقد في إسطنبول يوم الجمعة، بمشاركة تركيا ومصر وقطر ودول أخرى. وفي الأذهان، ولو على نحوٍ نظري، يبقى عالقًا آخر حديث للرئيس الأميركي دونالد ترامب في الثاني عشر من حزيران عن مفاوضات وصفقة مع إيران، حين قال إنه سيمنع إسرائيل من ضربها. بعد ساعات قليلة فقط، عند الثالثة والنصف فجر الثالث عشر من الشهر نفسه، كنتُ على الهواء أُعلن اندلاع الحرب الإسرائيلية على إيران. ليست هذه مفارقة لغوية، بل توصيف لطبيعة القرار في هذه المنطقة، حيث يمكن أن ينهار الفاصل بين القول والفعل خلال ساعات او ايام .
برأيي، الوضع اليوم مختلف. التقدير الإسرائيلي، وربما الأمنية الإسرائيلية تحديدًا، يقوم على أن هذه المفاوضات ستفشل ولا ينبغي أن تفضي إلى اتفاق. إسرائيل تعارض المفاوضات من حيث المبدأ. وحتى الاتفاق الجيد، وفق منظورها، لا يُعدّ إنجازًا، لأنه يُنقذ النظام الإيراني بدل إسقاطه، ويرفع عنه العقوبات بدل إبقائه تحت الضغط. لذلك تدفع باتجاه خيار واحد: حرب خاطفة وحاسمة تُسقط النظام، لا تسوية تُعيد إنتاجه.
في المقابل، ثمة عوامل لا يمكن التقليل من أهميتها هذه المرة. ترامب يواجه انتقادًا داخليًا وانعدام شعبية لأي حرب على إيران. تجربة العراق حاضرة بقوة في الوعي الأميركي، وهو لا يريد تكرارها، ويفضّل ما يعتبره نموذج فنزويلا: خطف او استهداف رأس النظام، السيطرة على مفاصل الدولة ومقدّرات النفط، ومحاولة تغيير الواقع السياسي من دون حرب شاملة. أما الضربة الخاطفة، على شاكلة اغتيال سليماني، فلم تعد ذات جدوى استراتيجية في هذه المرحلة، لأنها لا تُسقط نظامًا ولا تُنهي صراعًا.
إلى جانب ذلك، فإن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير يدفعان باتجاه اتفاق. كلاهما من الدائرة الضيقة للرئيس الأميركي، وكلاهما يعمل خارج القوالب التقليدية للسياسة الأميركية، ويرى أن التفاهم مع إيران، مهما كان محدودًا، أقل كلفة من انفجار إقليمي واسع.
كما أن ترامب لا يستطيع تجاهل حلفائه في المنطقة غير إسرائيل. تحتاج واشنطن الدول العربية في معظم الملفات السياسية والاقتصادية المتعلقة بمصالحها الاستراتيجية ، ولا يمكن إدارة صراعات الشرق الأوسط من زاوية إسرائيلية خالصة، مهما كان وزنها في الحساب الأميركي.
التركيز الأميركي سيكون على الملف النووي. هنا قد تقدّم إيران تنازلات فعلية، من بينها تسليم اليورانيوم عالي التخصيب إلى روسيا، أو نقل التخصيب إلى الخارج، بما يعني عمليًا تجميد المشروع النووي وإقفاله. هذا هو جوهر الاهتمام الأميركي، وهو الإنجاز الذي يمكن لترامب أن يقدّمه داخليًا وخارجيًا.
أما في ملف الصواريخ الباليستية، فالمعادلة مختلفة. سيكون من الصعب على ترامب إفشال اتفاق بسبب هذا الملف، لأن الصواريخ الباليستية تمتلكها دول كثيرة في العالم ولا تُصنّف تهديدًا استراتيجيًا للولايات المتحدة. هي تهدّد إسرائيل، لا أميركا. وهنا يتكثّف القلق الإسرائيلي.
إسرائيل اكتشفت أن إيران طوّرت قدرات استراتيجية غير نووية، طغى عليها التركيز الطويل على الملف النووي. الصواريخ الباليستية الإيرانية باتت تهديدًا على حافة الاستراتيجي فعليًا بالنسبة لإسرائيل، بقدرة تدميرية هائلة وإصابات مباشرة لمقار ومنشآت استراتيجية بدقة عالية. هذه، في نهاية المطاف، مشكلة إسرائيل أولًا وأخيرًا.
في الوقت نفسه، تؤخذ التهديدات الإيرانية بحرب إقليمية على محمل الجد أميركيًا، خلافًا للمرة الماضية، خصوصًا بعد الاستهداف الاستعراضي المنسّق لقاعدة العديد في قطر. كما أن إغلاق مضيق هرمز يبقى خيارًا واردًا في هذا السياق.
في ضوء ذلك، نعم، فرص فشل المفاوضات قائمة، والانتقال إلى هجوم أميركي يبقى احتمالًا مطروحًا. لكن كل ذلك يبدو محشورًا زمنيًا في نافذة ضيقة، لا تتجاوز الأسبوعين اللذين يسبقان شهر رمضان. بعدها، تتغيّر الحسابات، وتصبح إدارة الأزمة أرجح من تفجيرها.
المنطقة اذا تقف على حافة سباق محموم بين طاولة مفاوضات تحاول كبح الانفجار، وحرب تتململ في الظل وتبحث عن لحظة خروج.