هل تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل المواجهة بين الولايات المحتدة وإيران؟

بقلم :عصري فياض

الاحتقان المتزايد والمتصاعد للحالة التي يعيشها الشرق الأوسط على أثر الاحتشاد العسكري الأمريكي تجاه إيران،لا زال يحبس الانفاس في ظل التهديد والتهديد المضاد،والترقب والانتظار،بالإضافة لتدخل عدد من دول المنطقة مثل تركيا والسعودية ومصر،سمح لفرصة فحص ما إذا كان بالإمكان التوصل لما يسميه ترامب بـالصفقة مع ايران تجنبا لحرب لا يستطيع أحد التنبؤ بنتائجها،لذلك قامت الحكومة التركية ومن خلفها مصر والسعودية وقطر وعُمان ودول أخرى بقيت خلف ستار هذا المشهد بجهود حثيثة من أجل نزع فتيل هذا الاحتقان،وأمام الإصرار إيران على التمسك بمواقفها،والاعلان عبر تصريحات مسؤوليها ليل نهار انها لا تتمنى المواجهة،إلا انها لا تخشاها،وستدافع عن نفسها بطريقة لا تشبه ما مضى من الصدامات حسب ما يرشح عن مسؤوليها السياسيين والعسكرين،بل ستكون الحرب إقليمية كما ورد على لسان المرشد علي الخامنئي قبل يومين،وأمام إدراك الإدارة الامريكية بقيادة ترامب أن الشروط والمطالب العالية التي اطلقها تجاه ايران تحتاج في حال عدم تلبيتها،او تلبية الحد الأدنى منها لا يقبل به ترامب ليتغنى بالنصر الثاني بعد نصره الأول في فنزويلا،أنها أي ــ الإدارة الامريكية ــ يجب أن تحشد حجما أكبر من القوة والامكانيات والقدرات العسكرية لتحقيق ما لم تستطيع أن تحققه بالدبلوماسية تحققه بالقوة تحت شعار ترامب ” السلام بالقوة “،وهذه القدرات التي زحفت وتزحف نحو الشرق الاوسط،بالإضافة لما فيها أصلا من قواعد وسلاح امريكي يجب أن يكون كافيا لتحقيق النصر والغلبة لكل المراحل التي ممكن ان تتطور فيها الحرب بالرغم من رغبة وتطلعات ترامب لأن تكون حرب سريعة وحاسمة ومضمونة النتائج بأقل الخسائر ممكنة.

ولكن هذا التفاوض الذي وافقت عليه إيران واصدر رئيسها الإصلاحي مسعود بزشكيان أمر البدء به،وأن يكون رئيس الوفد الإيراني هو وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بمساعدة اثنين من مساعديه،بمقابل يرأس الوفد الأمريكي ستيف وتكوف مساعد الرئيس الأمريكي حسب ما رشح عن الصحافة الامريكية،والذي سيتم في تركيا بحضور ممثلي حكومتها وحضور بعض دول المنطقة الأخرى المعنية بهذا الشأن مثل مصر والسعودية وقطر ودول أخرى ربما،سيضع ستيف وتكوف شروط الولايات المتحدة على الطاولة،والمتمثلة بخفض تخصيب اليورانيوم في ايران لدرجة الصفر،وترحيل المخصب منه الى دولة أخرى،وتقصير مديات الصواريخ البالستية والفرط صوتية،ووقف دعم ما تسمية الولايات المتحدة بـ”الوكلاء” في المنطقة (حزب الله والحشد الشعبي وانصار الله وحماس والجهاد الاسلامي)،وتوقف السلطات الإيرانية عن قمع المحتجين ومحاكمتهم.

طبعا هذا الشروط والطلبات لا توافق إيران على أن تكون على مائدة التفاوض باستثناء الملف النووي الذي تفاوضت بشأنه سابقا متمسكة بحقها في التخصيب بالنسبة التي تكفل لها استخدام سلمي للطاقة النووية بنسبة 3،67 %على الاقل،فهي لا تريد،ولا تنوي صناعة السلاح النووي أو أي سلاح دمار شامل،وهذا الموقف جذري وغير قابل للتنازل،فالهوة كبيرة بين الموقفين الأمريكي والإيران،فعلى سبيل المثال جانب من جوانبه وهو مسألة ترحيل ما تم تخصيبة من اليورانيم بنسبة 60% أو حتى 3،67% إلى روسيا أو تركيا أو أي دولة أخرى مرفوض إيرانيا ما لم يكن ضمن اتفاق شامل،أما بخصوص النقاط الأخرى من مديات الصواريخ البالستية ودعم “الوكلاء” والتعامل مع المحتجين سواء من حيث التظاهر او المحاكمة،فهذه الأمور من وجهة نظرها هي أمور سيادية،وغير قابلة لأن تكون على مادة تفاوض،ومجرد وجوده على الطاولة مرفوض رفضا قاطعا.

لذلك،تدرك الولايات المتحدة الموقف الإيراني،وتعرف أن من شبه المستحيل أن تأخذ من ايران تنازلات في القضايا الأربعة او الخمسة المذكورة،وحتى لو وافقت الولايات المتحدة بالتفاوض على الملف النووي لوحده،فهل توافق الولايات المتحدة على القبول بتخصيب إيران لليورانيوم بنسبة 3،67% للأغراض السلمية؟ طبعا الامر مستبعد،لان هذه النسبة كانت ضمن الاتفاق النووي وقعته الولايات المتحدة ودول الترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا)بالإضافة للصين وروسيا في العام 2015،والذي الغاه ترامب نفسه في العام 2018،إذا المسافات بين الموقفين الأمريكي والإيراني متباعد والهوة كبيرة وكبيرة جدا،ولا يتوقع أن يتمكن التفاوض في جسر الهوة بين الطرفين من خلال لقاء او عدة لقاءات،أو حتى استمرت المفاوضات أسابيع وأشهر،فلن تتوصل العملية الدبلوماسية لاي نتيجة،إذا ما الذي يريده كل طرف من هذه العملية التفاوضية إذا؟

الجواب من الناحية الامريكية،الإدارة الامريكية تحاول أن تحمل الجانب الإيراني مسؤولية فشل التفاوض وحل المأزق دبلوماسيا امام العالم،بالإضافة لإعطاء فرصة أكبر في حشد اكبر ما يمكن من العدة والعدد والمقدرات حول ايران،واستكمال التنسيق مع إسرائيل وحلفائها في المنطقة والعالم،وهذا سيعطيها بعض التبرير لقيامها بضربة عسكرية ضد ايران بدلا من تكوين موجة إحتجاج عارمة في العالم والمنطقة،بالمقابل،الموقف الإيراني الذي يعتبر منسق وواضح وعالي النبرة،وأكثر حدية جهة الرد الإيراني المتوقع،لا يريد أن يتجاهل هذا التفاوض بالرغم من عدم الثقة بالجانب الأمريكي واستغلاله جانب التفاوض كغطاء لتنفيذ هجوم على إيران كما حصل في شهر حزيران الماضي،تريد أن تظهر مصداقية لمواقفها التي تنسجم مع شعاراتها وتمسكها بالحل الدبلوماسي قبل أن تندفع الأمور لمواجهة استعدت اليها،وعملت لاجها بشكل مكثف خلال الأشهر التسعة الماضية لأنها كانت تعي أن ما جرى في حزيران الماضي لم يكن سوى فصل من فصول كتاب الصراع المفتوح.

خلاصة الامر أن المعجزة ليس لها وجودا في هذا التفاوض الذي سيجري في تركيا،مهما بلغت جولاته وزمانه،والفشل الحتمي يستحوذ على أجواءه لغاية الان بنسبة عالية ومرتفعة.