ليس الشرقُ اسماً على خريطة، ولا خطَّ طولٍ يُقاس بالبوصلة. إنّه حالةُ بقاءٍ حين يختلّ الميزان، وذاكرةٌ تستعصي على المحو، ونبرةُ ضميرٍ لا تنخفض مهما ارتفع ضجيج العالم. حين يميلُ العالم، لا يتكئ الشرقُ على الجغرافيا، بل على معنى لا يغيب: أن تشرق الشمس بلا أوامر، وأن يتعلّم القمرُ كيف يضيء دون إصبعٍ يأمره بالاتجاه.
الشرقُ، في جوهره، ليس مقابلاً للغرب، بل مقابلاً للانمحاء. إنّه ما يتبقّى حين تُستنزف الأشياء وتُختزل القيم إلى أرقام. هنا، في الحقول، لا تُزرع الزيتونُ وحدها، بل تُغرس الذاكرة؛ والسنابلُ لا تُثمر قمحاً فحسب، بل أعواماً لم تُكسَر، لأن الأرض تعرف أن الزمن ليس سلسلة خسارات، بل امتحانُ صبرٍ طويل. الذاكرة في الشرق ليست أرشيفاً، بل طاقة مقاومة: تُنبت الخضرة كأنها أولُ اللغة، وتستدعي المطر كاعترافٍ متأخّر من السماء.
وحين تُرفع النجمةُ الحمراء، لا تُعلِّقها سماءٌ متعالية، بل أكتافُ العمّال؛ فالطريق لا يُفتح بالخطابات، بل بسواعدٍ عاريةٍ تعرف أن المنجل الذهبي لا يحرث التراب وحده، بل يوقظ الأرض من سباتها الأخلاقي. العمل هنا ليس وظيفة، بل معنى: أن تُستعاد العلاقة بين اليد والمعنى، بين العرق والكرامة، بين الجهد والحق.
في الشرق، تُفهم الروح بلا وسائط: الشاي يُغلى كصلاةٍ بلا معبد، والهدوء ليس فراغاً بل امتلاءً بالصمت الحارس. الأقحوانُ يتسلّق الهواء، وعطره يطرق أبواب الهيمالايا، لأن الجمال لا يحتاج إلى جواز سفر. وحين ينهض “ماردُ الشرق”، لا يفعل ذلك كتمثالٍ منتصر، بل كجرحٍ يمشي؛ يحمل أسماء هيروشيما وناغازاكي وفيتنام، لا ليؤبّد الألم، بل ليذكّر العالم بأن التقدّم الذي ينسى الضحايا ليس تقدّماً، بل تسريعٌ للهاوية.
حتى الثلج في التايغا لا يبرد؛ إنّه يحرس الصمت كي لا يتحوّل إلى نسيان. وأشجار سيبيريا تعزف للسلام بجذورٍ عميقة، لأن الموسيقى الحقيقية لا تأتي من المسارح، بل من خطى من يرقصون ليؤكّدوا أنهم أحياء. الحياة هنا فعلُ تذكّرٍ يومي: أن تكون حيّاً يعني أن ترفض اختزال الإنسان إلى رقم، والجسد إلى سلعة، والموت إلى إحصاء.
لهذا يقول الشرق “لا”: لا لدخانٍ يعلّم السماء كيف تختنق، ولا لأفيونٍ يُخدِّر الوعي باسم الرفاه، ولا لمصانع تُراكم الأرباح وتُراكم معها الغبار في الرئات. يقول “لا” لحروبٍ تُعدّ القتلى كما تُعدّ العملات، وتترك الأجساد على الطرقات تبحث عن خبزٍ وماءٍ واسمٍ يليق بالموت. فالكرامة ليست شعاراً؛ إنها الحدّ الأدنى من العدالة حين يختلّ العالم.
حين يميلُ العالم، يبقى الشرقُ واقفاً لا عناداً، بل وفاءً لمعنى لم يتخلّ عن الإنسان. لا تذهبوا إلى حيث تغرب الأشياء، ولا تستعيروا غروبهم؛ فالجهة التي لا تغيب ليست شرقاً ولا غرباً، بل موقفٌ أخلاقيٌّ يختار الذاكرة على النسيان، والعمل على الوهم، والحياة على الإحصاء. هناك فقط، تشرق الشمس بلا أوامر، ويتعلّم القمر كيف يضيء.








