هل المنهج أولاً؟.

د.عدنان عويّد

في المفهوم:

المنهج هو مجموع الخطط والأساليب والطرائق التي تُستخدم لتحقيق أهداف ومصالح محددة. والمناهج وفق هذا المعطى, تتعدد بناءً على طبيعة الأهداف والمصالح المراد الوصول إليها, سياسيّة كانت أو علميّة أو أدبيّة أو إداريّة .. وغير ذلك. أما عنوان موضوعنا المراد بحثه هنا فهو المنهج المتعلق في الجوانب السياسيّة والفكريّة بشكل عام, وخاصة المتعلق منها في قضايا نهضة الشعوب وتقدمها, ومنها بشكل خاص نهضة أمتنا العربيّة المتخلفة وكيفيّة تقدمها.

نقول في هذا الاتجاه: إذا كان معظم من اشتغل ولم يزل يشتغل على قضايا النهضة والتقدم في عالمنا العربي من أحزاب ومثقفين ومفكرين وسياسيين, يقرون أو يعترفون بتخلف الواقع العربي, وأنه يعيش حالة فوات حضاري في وجوديّه المادي والفكري, وأن هناك أمماً أو شعوباً أو دولاً قد سبقتنا في مجال التطور والتنمية الماديّة والقيميّة والفكريّة, إلا أن الكثير ممن اشتغل على قضايا نهضتنا وتقدمنا ظل ينظر في مسائل تجاوز تخلف ومعوقات هذه النهضة من باب مناهج فكريّة غالباً ما تلتقي مع يؤمن به هذا المشتغل أو ذاك من هذه المناهج, أو ما يمتلك من خطط وأساليب تفكير وعمل يجد فيها طريق النهضة والخلاص من مأزق التخلف الذي نحن فيه. فهناك من يأخذ بالمناهج الماديّة مثلاً كالمنهج المادي التاريخي الجدلي, والمنهج التاريخاني وغيرهما من المناهج ذات التوجه المادي العقلاني النقدي عموماً, وهناك من يأخذ بالمناهج المثاليّة بعمومها الذاتيّة والموضوعيّة منها, كالمنهج البنيويّ والظاهراتي والسيكولوجي  وغيرها من المناهج التي تقوم على الرؤى الذاتيّة المنفردة والمعزولة عن محيطها الاجتماعي, أو على قوى غيبيّة أو طبيعيّة خارج إرادة وعقل الإنسان وتحكمهما في الواقع المعيوش.  فكل منهج من هذه المناهج له حوامله الاجتماعيّة, مثلما له مواقفه الأيديولوجيّة أيضاً التي تشكل السياج الداعم لهذا المنهج, بل إن كل من المنهج والموقف الأيديولوجي يشكلان وجهين لعملة واحدة إذا ما كانت تكمن وراء المنهج قوى طبقيّة محددة. فمن يأخذ بالمنهج المادي التاريخي مثلاً نراه يقسم الواقع الذي يتعامل معه إلى بنائين, تحتي ويشمل قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج, وبناء فوقي ويمثل مجموعة الرؤى والأفكار والمبادئ والقوانين التي تعبر عن درجة تطور البناء التحتي, ثم هو ينظر أيضاً إلى تلك العلاقة الجدليّة ذات التأثير المتبادل بين مكونات البناء التحتي مع بعضها من جهة, وبين التأثير المتبادل أيضاً بين مكونات البناء الفوقي مع بعضها من جهة ثانية, وأخيراً بين كل مكونات البنائين مع بعضهما بعضاً في سيرورتهما وصيرورتهما التاريخيتين, أي في حركة وتطور وتبدل مكونات البنائين من جهة ثالثة. أما الموقف الأيديولوجي أو النظري الداعم لهذا المنهج فهو الموقف اليساري عموماً, وحوامله الاجتماعيّة التي تتوزع ما بين الطبقات الكادحة ممثلة بالعمال والفلاحين وتحالف قوى الشعب العامل, ووصولاً إلى البرجوازيّة الوطنيّة. وهذا الموقف المادي الجدلي يختلف عن موقف كل المناهج المثاليّة العاملة أو الموظفة لخدمة الطبقات المستغِلة, فالمنهج البنيوي على سبيل المثال لا الحصر, يقوم بفصل كل ظاهرة من ظواهر الواقع عن بعضها وأخذها كبنية واحدة قائمة بذاتها بكل أجزائها, لها تاريخها وواقعها ومكوناتها وعلائقها الخاصة بها. بينما الموقف الأيديولوجي أو النظري فهو الموقف الليبرالي, وحوامله وغالباً ما تكون من القوى البرجوازيّة, وهي قوى تجد في السوق الحرّة الاقتصاديّة عالمها وحركتها ونشاطها, بكل ما تعبر عنه هذه السوق من فوضى الإنتاج, وما يقوم على هذه الفوضى من استغلال لجهود الآخرين وتفاوت في توزيع الثروة الوطنيّة, ومن منافسة واحتكار للسلع, واستلاب وتغريب وتشيئ للإنسان.

أما لو أخذنا بعض المناهج المثاليّة الأخرى كالمنهج المثالي الموضوعي  على سبيل الثقال لا الحصر, لوجدنا أن هذا المنهج بقر بأن هناك قوىً خارج عالم الإنسان تؤثر في حياة الفرد والمجتمع, وأن هذا التأثير غالباً ما يكون بشكل حتمي ليس للإرادة الإنسانيّة  فيه أي دور, وإن وجد هذا الدور الإرادي فهو ضعيف لا يتعدى خصوصيات عالم الفرد الروحيّة والسلوكيّة, لأن كل شيء قد حدد حدوثه بكتاب محفوظ إما من قبل قوى خارج نطاق الطبيعة, أو من قبل فكرة مطلقة قد تمثل مفهوم الحتمية الميكانيكيّة لسيرورة الظواهر وصيرورتها. أما الموقف الأيديولوجي أو الفكري  لهذا المنهج فهو العقيدة الدينيّة على الغالب, والحوامل الاجتماعية لهذا المنهج هي حوامل خليطة من كل شراح وطبقات المجتمع, ففي الوقت الذي تجد فيه القوى الاجتماعية المسحوقة خلاصها من شقائها واستغلالها وتحقيق عدالتها في هذا الدين, تجد فيه القوى الاستغلاليّة كذلك عوامل قوتها وتبرير سيطرتها واستغلالها للآخرين أيضاً. وذلك من خلال تفسير وتأويل نصوص هذه الأيديولوجيا وفقاً لمصالح كل شريحة أو طبقة من هذه الحوامل.

بشكل عام نستطيع القول هنا: إن طبيعة الحوامل الاجتماعيّة الحاملة لهذه المناهج ومصالحها بشكل عام, تلعب دوراً كبيراً في تبني المنهج وسياجه الأيديولوجي أو النظري الذي يحقق لها مصالحها, وبالتالي نراها تشتغل عليه لتحقيق ما تدعيه من مواقف فكريّة وسلوكيّة ومنها نهضة المجتمع وتقدمه.

وبتعبير آخر, إن كل حامل اجتماعي له مصالحه التي تحدد بالضرورة توجهاته الفكريّة والعملياتيّة معا. فالقوى الوطنيّة والقوميّة التي تكره الاستغلال والتفاوت الطبقي الحاد والتجزئة القوميّة, نراها في الغالب تميل نحو تبني المناهج العلميّة أو العقلانيّة, والسعي لتطبيق أفكارها الداعية إلى العدالة والمساواة والحرية, فهي مع الملكيّة العامة ومع المواطنة والتعدديّة والتشاركيّة في السلطة, بغض النظر هنا عن شهوة السلطة ومنافعها وتأثيرها على بعض هذه الحوامل, وما تمارسه هذه الحوامل من انحرافات عن الخط المنهجي والنظري الذي تتبناه. أما الحوامل الاجتماعيّة الحاملة للمناهج المثاليّة, فهي في الغالب تميل إلى الملكيّة الخاصة, والدفع باتجاه الروح الفرديّة والحفاظ على البنى الطبقيّة القائمة بكل إشكالاتها. هذا بالنسبة للحوامل الاجتماعيّة المتبنية للمناهج المثاليّة المتعلقة بالفكر الليبرالي, وأدوات هذه المناهج القوى الطبقية المالكة, وهي تقوم بالغالب على الذاتيّة والارتجال والحدس والوعظ  والضمير وغير ذلك. أما الحوامل الاجتماعيّة المتبنية للمنهج المثالي الموضوعي بصيغته الدينية الوثوقيّة, فهي حوامل تتمسك بالنص الديني وما شرع له هذا النص من مسائل تتعلق في حريّة وسعادة الإنسان, وهي لا تملك من شيء سوى العمل على تطبيق ما تطالب به هذه الشريعة ووفقاً لصيغتي الحلال والحرام الواردة في النص المقدس أو الحديث أو ما أجمع عليه رجال الدين في مراحل تاريخيّة محددة, وبالتالي كيفيّة الوصول إلى هذا الحلال والابتعاد عن الحرام, ففي الوقت الذي نجد من الحوامل الاجتماعيّة للعقيدة من يستخدم مفهوم الدولة والسلاح كوسائل فاعلة لتطبيق العقيدة أو الأيديولوجيا الدينيّة, وهم أصحاب الإسلام السياسي, نجد في الوقت الآخر من يعتقد بان الطريق الصحيح لتحقيق شريعة هذا الدين هو ترك مفاسد الحياة والابتعاد عن كل ما يدنس الروح والجسد, وذلك عبر الانعزال والمجاهدة على الطريقة الصوفية للوصول إلى الحقيقة المطلقة التي تربط الفرد بربه.

أمام هذه المواقف المنهجية , يتبين لنا بأن للمنهج وحوامله والموقف الأيديولوجي أو النظري الذي يسيج هذا المنهج, وتظهر لنا أيضاً سبل المعرفة الصحيحة للطرق والأساليب التي علينا اتباعها للوصول إلى نهضتنا, مثلما تبين لنا القوى الاجتماعيّة الحقيقيّة المنوط بها تحقيق الفعل النهضوي.

إن تجارب الماضي النهضويّة وما حققته المناهج الفكري بما تقوم عليه من مواقف فكريّة أو أيديولوجيّة, قد أثبتت فشلها وعجزها لأسباب قد لا تتعلق بالمنهج وبآليّة عمل هذه المناهج فحسب, وإنما تتعلق بحواملها الاجتماعيّة أيضاً التي تغيريها شهوة السلطة. لذلك لا بد لنا من إعادة النظر بطبيعة المناهج التي اشتغلنا عليها مئات السنين وأثبتت فشلها حتى الآن, فنحن بحاجة ماسة في الحقيقة إلى المنهج العقلاني النقدي والتنويري فكراً وممارسة… نحن بحاجة للمنهج والفكر الذي يعمل على استيعاب كل من يؤمن بوطنه ومواطنيته, ويؤمن بالآخر شريكاً له ومن حقه أن يساهم في إدارة شؤون وطنه دون إلغاء أو تكفير أو استفراد بالسلطة… نحن بأمس الحاجة للمنهج العلمي ونظريته العلميّة التي تحتوي في مضمونها قيم العلمانيّة والديمقراطيّة والمواطنة, وأن الوطن للجميع بغض النظر عن دين الفرد وعرقه ومذهبه وعشيرته وقبيلته.

كاتب وباحث وناقد من سوريا.

[email protected]