أستاذ الفلسفة – جامعة الجزائر
مقدمة
لا تنطلق هذه الدراسة من موقف عدائي تجاه الإنسان اليهودي، ولا من نزعة إقصائية أو دينية مضادة، بل من سؤال فلسفي مركزي:
هل يمكن لأي عقل بشري أن يُستثنى من شروط الإنسانية العامة دون أن يُنتج عنفاً، أو قطيعة مع التاريخ، أو خللاً في العيش المشترك؟
إن الإشكال لا يكمن في الإنسان اليهودي بوصفه إنساناً، بل في العقل اللاهوتي المغلق حين يتحول إلى منطق استثناء، ويمنح ذاته شرعية فوق-إنسانية، تعلو على القانون الإنساني المشترك…كيف ذلك
أولاً: بين العقل الإنساني والعقل اللاهوتي
العقل، بحسب كانط، لا يصبح إنسانياً إلا حين يستعمل نفسه بنفسه، دون وصاية ميتافيزيقية أو نصية مطلقة.
غير أن العقل حين يُؤطر داخل خطاب لاهوتي مغلق، يُعاد توجيهه من أداة تحرر إلى أداة تبرير، ومن قوة نقدية إلى سلطة تمييز.
في هذا السياق، لا يعود العقل فاعلاً أخلاقياً، بل خادماً لفكرة الاصطفاء، حيث يُعرَّف الإنسان لا بما هو عليه وجودياً، بل بما يُمنح له نصياً.
ثانياً: من منطق الاصطفاء إلى تعطيل القانون الإنساني
كل تصور يُقسّم البشر إلى:
مختارين وغير مختارين
أصحاب شرعية وأصحاب فائض وجود
هو تصور يُقوّض فكرة القانون الكوني.القانون الرباني
فانا انسان مؤمن وموحد بخالق لهذا الوجود..وهو اله عادل ..لا يميز بين مخلوقاته ..
القانون الإنساني، كما عند هيغل وهابرماس، لا يقوم إلا على الاعتراف المتبادل.
وحين يُلغى هذا الاعتراف، يتحول الآخر إلى أداة، أو عبء، أو تهديد وجودي.
هنا لا يصبح العنف حادثاً عرضياً، بل نتيجة منطقية لخطاب الاستثناء.
ثالثاً: اليهودي بين الزمن والتاريخ
حسب رؤيتي كانسان دارس للفلسفة وللسياسة ولعلم الاجتماع:-
يمكن القول فلسفياً إن الإنسان اليهودي:
يشترك مع الإنسانية في الزمن
لكنه يُفصل عن الإنسانية في التاريخ
فالعيش داخل الزمن لا يعني المشاركة في المعنى التاريخي، لأن التاريخ هو تراكم القيم المشتركة، لا مجرد تعاقب اللحظات.
كل خطاب يُغلق ذاته على سردية متعالية، يفقد قدرته على الاندماج في التاريخ الإنساني، ويعيش بجواره لا داخله.
رابعاً: مفارقة التنوير
المفارقة الكبرى أن الإنسان اليهودي كان فاعلاً أساسياً في التنوير الأوروبي،
لكن اليهودي – كمتحرر من الوصاية – لم يُعش دائماً كتجربة وجودية كاملة. اي ان اليهودي لم يعش التنوير ولم يمر عليه رغم انه شارك في ايجاده.
فالتنوير الحقيقي، كما يقول كانط، هو الخروج من القصور الذي نُسببه لأنفسنا.
وحين يبقى العقل أسير قداسة نصية مغلقة، فإنه يساهم في إنتاج الحداثة دون أن يسكنها أخلاقياً.
خامساً: نحو إعادة الإنسان اليهودي إلى الدائرة الإنسانية
العقل اليهودي، في جوهره، لا يختلف مطلقاً عن العقل الإنساني:
يشترك معه في الغريزة
في الزمن
في الخوف
في الموت
وفي سؤال الخلود
وبالتالي:
اليهودي إنسان قبل أن يكون مختاراً،
والإنسان لا يُختار وجودياً،
لأن الوجود لا يعرف الامتياز.
لا يوجد في الكون:
إنسان أعلى
ولا إنسان أدنى
بل بشر متساوون في القيمة، مختلفون في التجربة.
خاتمة
إن إنسانية الإنسان اليهودي لا تُنقَص حين يُعاد إدماجه في الدائرة الإنسانية العامة،
بل تُستعاد.
وما تحتاجه الإنسانية اليوم، ليس نزع إنسانية أحد،
بل تفكيك كل خطاب يضع نفسه فوق الإنسان.
فالخلاص لا يكون في شرعية سماوية مغلقة،
بل في قانون إنساني مفتوح،
يحمي الجميع، ويُخضع الجميع،
ويجعل الحرية مشروطة دائماً باحترام حرية الآخر.
فالنعش سويا يا يهود بسلام دون حرب .








