دمشق لا تُحكم بالصراخ.. كيف صنع أهل الشام علاقتهم مع السلطة؟

محمد محمود هرشو

كان من الصعب الكتابة عن دمشق من دون أن يتسرّب الشعور إلى النص، فهذه مدينة لا تُقارب بوصفها مكانا فحسب، بل بوصفها ذاكرة حيّة، وحالة إنسانية مركّبة. لذلك، لا بد من جملة واحدة تُغلق باب العاطفة وتفتح باب التحليل: في الشام وحدها، تفهم معنى أن تكون المدينة “شامة” في وجه التاريخ، ولا يراها ولا يفتتن بها إلا من عاشقٍ أدرك موضع الجمال وسترَه.

منذ دخول الإسلام إلى دمشق، تشكّلت بين السلطة وأهل الشام علاقة من نوع خاص، لا تشبه علاقات الحكم القائمة على الغلبة أو الخضوع، بل على عقد اجتماعي غير مكتوب، صاغته المصالح قبل الشعارات، والأفعال قبل الخطب. ولعل التجربة الأوضح في هذا السياق كانت تجربة معاوية بن أبي سفيان، الذي لم يحكم أهل الشام بوصفه واليا فوقهم، بل شريكا معهم.

دهاء معاوية لم يكن في السيطرة، بل في الفهم. فهم طبيعة مجتمع تجاري، عملي، لا يهوى الصدام ولا يُغريه الخطاب العالي. أسّس نمط حكم قائما على التنمية، وتبادل المنافع، واحترام السوق. منح أهل الشام امتيازاتهم الاقتصادية والاجتماعية، فمنحوه بدورهم الاستقرار والولاء، لا خوفا بل قناعة. حتى حين انتقل إلى التوريث، وهو سابقة في التجربة السياسية الإسلامية، لم يتم ذلك بالقهر، بل بطمأنة الحاضنة الاجتماعية بأن مصالحها باقية، ونفوذها مستمر.

ولاء أهل الشام للسلطة لم يكن يوما علامة ضعف، بل تعبيرا عن عقل سياسي جماعي يعرف كيف يقترب من السلطة دون أن يغرق فيها. تحالفهم معها كان مشروطا دائما بمعادلة بسيطة وعميقة: لكم السياسة، ولنا السوق. هم أهل تجارة، وأهل حسابات باردة، يدركون أن الصدام المباشر مع السلطة مكلف، وأن النفوذ الحقيقي يُبنى بصمت.

هذا العقد الصامت استمر عبر العصور، ولم تجرؤ سلطات كثيرة على كسره، إلى أن بدأت الامتيازات تنتقل إلى قوى جديدة، وتآكلت معادلة المصالح، فانسحبت الحاضنة بهدوء. وهنا تسقط الدول، لا بالثورات الصاخبة، بل بانسحاب المجتمع الذي كان يمنحها الشرعية اليومية. هكذا سقطت الدولة الأموية، وهكذا سقطت أنظمة لاحقة آخرها نظام الأسد.

من يعرف دمشق عن قرب يدرك أن صمت أهلها ليس خضوعا، بل أسلوب حياة. “الدهاة لا يتصدّرون المجالس”، مقولة تختصر فلسفة مدينة كاملة. الشامي لا يرفع صوته، لكنه يعرف كيف يصل إلى ما يريد، ويأخذ أكثر مما يُعلن. أحد أبناء المدينة قالها ببساطة: “الشامي بيحفر النفق بالإبرة” . هذه ليست مبالغة، بل توصيف دقيق لعلاقة معقّدة بين الفرد، السوق، والسلطة.

في قلب هذا العقد، يقف السوق. لم يحب ابن الشام في حياته شيئا كما أحب سوقه. تجارته ليست مهنة، بل هوية. حتى بيته يُدار بمنطق التحالف، حيث تتقاسم الزوجة إدارة الداخل، فيما يتفرغ هو لمعركة السوق اليومية. ولهذا، لا يمكن فهم دمشق من دون فهم نسائها، اللواتي أدرن توازنات دقيقة تشبه عمل المؤسسات الصامتة.

لم يقترب معاوية من سوق دمشق، بل فتح لأهلها أسواقا جديدة، فأغرقوها بتجارتهم، ومنحوه بالمقابل دولة قوية. حتى بيت المال، لم يُسلَّم لخاصته، بل أُوكل لعائلة دمشقية مسيحية، في نموذج نادر من البراغماتية والتعايش، يعكس اعتدال المدينة وعقلها العملي.

يمكن لأي سلطة، مهما بلغت قوتها، أن تحكم بالقوة زمنا. لكن لا سلطة تحافظ على حكمها من دون عقد اجتماعي متين قائم على التنمية، وتكافؤ الفرص، وتبادل المصالح. الحشد والتعبئة لا يبنيان دولة، والجيوش وحدها لا تحمي نظاما. التاريخ شاهد: جيوش ضخمة انهارت في ساعات، لا لضعفها العسكري، بل لانهيار المعنى والمصلحة.

لهذا، وبكل وضوح: لا تُحكم هذه البلاد من دون فهم أهل الشام. والطعن بهم، أو التشكيك في مواقفهم، ليس سوى جهل بطبيعة مدينة صنعت الاستقرار حين أرادت، وأسقطت الشرعية حين انسحبت.