دراسة ثيولوجية–فلسفية محكّمة
—
الملخص
تتناول هذه الدراسة التحليل الثيولوجي–الفلسفي للصراع بين اللاهوت المسيحي الفلسطيني واللاهوت المسيحي الصهيوني، بوصفه صراعاً على المعنى والعدالة والسردية، لا مجرد اختلاف ديني أو عقائدي. تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن اللاهوت الفلسطيني يمثل تقليداً إيمانياً تاريخياً متجذراً، يرى الله حاضراً في واقع الظلم ومنحازاً للمظلومين، بينما تشكّل المسيحية الصهيونية انحرافاً لاهوتياً يوظف الدين لتبرير الاستعمار والعنف والإبادة. تعتمد الدراسة المنهج التحليلي–النقدي المقارن، وتستند إلى لاهوت التحرير، وتحليل السرديات، والقراءة التاريخية للنصوص المقدسة. كما تبرز دور الدكتور رمزي الخوري واللجنة الرئاسية العليا لشؤون المسيحيين الفلسطينيين في كسر احتكار الرواية اللاهوتية الغربية، وإيصال صوت اللاهوت الفلسطيني إلى الكنائس العالمية.
الكلمات المفتاحية: اللاهوت الفلسطيني، المسيحية الصهيونية، لاهوت التحرير، السردية، العدالة، فلسطين.
—
المقدمة
ليست المسيحية الفلسطينية نتاجاً عرضياً للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ولا ردّ فعل طارئاً على المشروع الصهيوني، بل هي تعبير عن حضور مسيحي تاريخي متجذر في المكان والزمان، تشكّل في فلسطين بوصفها مهد المسيحية الأولى. من هذا المنطلق، نشأ اللاهوت الفلسطيني كتقليد حيّ يربط الإيمان بالعدالة، ويرفض الفصل بين العقيدة والواقع، وبين الروح والتاريخ.
في المقابل، ظهرت المسيحية الصهيونية بوصفها خطاباً لاهوتياً–سياسياً يوظف النص الديني لتبرير مشروع استيطاني إحلالي، ويحوّل الصراع من مسألة استعمار وحقوق إلى نزاع ديني مزيّف. وعليه، تطرح هذه الدراسة سؤالها المركزي: هل الصراع في فلسطين هو صراع على الأرض من أجل السماء، أم صراع باسم السماء لتكريس السيطرة على الأرض؟
—
أولاً: الإطار النظري والمنهجي
تعتمد الدراسة على منهج تحليلي–نقدي مقارن، يجمع بين:
1. التحليل اللاهوتي للنصوص والخطابات الدينية.
2. المقاربة الفلسفية الأخلاقية لمفهوم العدالة والشرعية.
3. تحليل السرديات السياسية–الدينية وتأثيرها في الوعي الغربي.
4. الاستفادة من أدبيات لاهوت التحرير، خاصة في السياقات الاستعمارية.
—
ثانياً: اللاهوت الفلسطيني – الله في التاريخ لا خارجه
ينطلق اللاهوت الفلسطيني من مسلمة أساسية مفادها أن الله غير محايد أمام الظلم، بل منحاز للمظلومين. فالإيمان، وفق هذا اللاهوت، لا يُختبر بسلامة العقيدة وحدها، بل بالالتزام العملي بالعدالة، ومقاومة البنى التي تنتج القهر والعنف.
يرفض اللاهوت الفلسطيني القراءة التجريدية للنصوص المقدسة، ويؤكد أن السؤال اللاهوتي الحقيقي ليس: «من هو الله؟» بمعزل عن الواقع، بل: «أين يقف الله في واقع الظلم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني؟». ومن هنا، يصبح اللاهوت أداة لفهم الواقع وتسميته أخلاقياً، لا غطاءً لتبريره.
—
ثالثاً: المسيحية الصهيونية – تديين الاستعمار وتشويه الإيمان
تقوم المسيحية الصهيونية على قراءة انتقائية للعهد القديم، تُسقط نبوءاته على واقع سياسي حديث، وتُحيي مفهوم «الشعب المختار» بصيغة قومية وعنصرية، متجاهلة جوهر العهد الجديد القائم على المساواة والمحبة.
يؤدي هذا الخطاب إلى تحويل الله إلى إله قبلي عنيف، يبارك الاحتلال والإبادة، ويُشرعن العنف بوصفه مشيئة إلهية. وهنا يتم دمج اللاهوت بالعسكر والسياسة في منظومة واحدة، تُحدد من هو الإرهابي ومن هو صاحب الحق في الدفاع عن النفس وفق ميزان القوة لا العدالة.
—
رابعاً: اللاهوت الفلسطيني وحرب السردية
لا يقتصر الصراع في فلسطين على الأرض، بل يمتد إلى ميدان السردية والرواية. فقد نجحت إسرائيل في توظيف اللاهوت المسيحي الصهيوني لاختراق العقل الغربي، وتقديم نفسها كضحية أبدية، مقابل تجريد الفلسطيني من إنسانيته وتاريخه.
في هذا السياق، يخوض اللاهوت الفلسطيني حرب الرواية عبر:
إعادة تعريف مفاهيم العنف والشرعية.
تسمية المعتدي بوصفه معتدياً، لا ضحية.
استعادة إنسانية الفلسطيني المطرود من التاريخ.
—
خامساً: د. رمزي الخوري واللاهوت بوصفه فعلاً مقاوماً
يمثل الدكتور رمزي الخوري نموذجاً لاهوتياً–وطنياً متقدماً، يجمع بين الإيمان العميق والانخراط العملي في النضال الوطني. فموقفه من المسيحية الصهيونية ليس اجتهاداً شخصياً، بل امتداد لتاريخ اللاهوت الفلسطيني، وواجب أخلاقي ووطني.
لقد نجح الخوري، بصفته مسيحياً فلسطينياً، في كسر احتكار الرواية الصهيونية داخل العديد من الكنائس الغربية، وفتح مساحات حوار لاهوتي جاد، أسهم في تغيير مواقف كنسية، ودعم حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات.
—
سادساً: اللجنة الرئاسية العليا ودور المسيحية الفلسطينية في الحركة الوطنية
تُعدّ اللجنة الرئاسية العليا لشؤون المسيحيين الفلسطينيين فاعلاً استراتيجياً في الحراك الوطني والكنسي، حيث لعبت دوراً محورياً في نقل معاناة الشعب الفلسطيني، خاصة مسيحيي غزة، خلال حرب الإبادة.
ويؤكد هذا الدور أن المسيحية الفلسطينية واللاهوت الفلسطيني جزء لا يتجزأ من بنية الحركة الوطنية الفلسطينية، خصوصاً في المقاومة الشعبية، ولا يقل تأثيرهما عن أي أداة نضالية أخرى.
—
الخاتمة
تخلص الدراسة إلى أن اللاهوت الفلسطيني يمثل فعلاً إيمانياً مقاوماً، يربط بين الله والعدالة والتاريخ، ويرفض تديين العنف وتبرير القتل. في المقابل، يكشف فشل اللاهوت الصهيوني في تحقيق أي معنى أخلاقي للوجود، لاعتماده على القوة لا الحق.
إن الله، في اللاهوت الفلسطيني، لا يقف مع من يمتلك السلاح ويشرعن العنف، بل مع من يُظلم ويُقتل. ويبقى التاريخ، في نهاية المطاف، ميدان انتصار الحق لا القوة.
—
المراجع
1. Ateek, N. Justice and Only Justice: A Palestinian Theology of Liberation. Orbis Books, 1989.
2. Ateek, N. A Palestinian Christian Cry for Reconciliation. Orbis Books, 2008.
3. Sabeel Ecumenical Liberation Theology Center. Various Publications.
4. Gutiérrez, G. A Theology of Liberation. Orbis Books, 1973.
5. Ruether, R. Faith and Fratricide: The Theological Roots of Anti-Semitism. Seabury Press, 1974.
6. Said, E. The Question of Palestine. Vintage Books, 1992.
7. Tinker, G. American Indian Liberation: A Theology of Sovereignty. Orbis Books, 2008.
8. United Nations. Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide. 1948.









