كاتب وباحث سوري
في الحديث عن القضية الأكثر فظاعة في العالم، لا ترتبط الأهمية المستمرة لقضية جيفري إبستين أساسًا بالحجم الهائل أو الوحشية المرتبطة بجرائمه، على فداحتها، بقدر ما ترتبط ببنية الاستدامة التي سمحت لتلك الجرائم بالاستمرار عبر عقود زمنية، وعبر ولايات قضائية متعددة، وفي سياقات سياسية متباينة جذريًا ويغطيها مجموعة من الساسة والاقتصاديين والمشاهير والنخب وصناع الحروب في العالم؛ فالجانب الجنسي فيها ليس سوى طبقة واحدة من قضية أكثر تعقيدًا وعمقًا تتعلق بالشبكات والعلاقات وآليات الحماية التي أحاطت بها. نتعامل مع القضية كظاهرة اجتماعية–سياسية مركبة لا مادة وعظية تحتمل تفسيرات دينية ولا دليلًا في جدل الشرق والغرب. فبدلًا من تحويلها إلى صراع قيم، يكشف التدقيق شبكة نفوذ وحماية مؤسسية توزعت فيها المسؤولية وصعبت تحديد مركز للمساءلة. يمكن إدانة الأفعال أخلاقيًا، لكن اختزالها حضاريًا ينقل النقاش من العدالة إلى الهوية؛ والمطلوب فهم الآليات البنيوية التي سمحت بالاستغلال لا الاكتفاء بالأحكام الرمزية.
تمتد مسيرة ملفات إبستين من أواخر الحرب الباردة، مرورًا بعولمة ما بعد الحرب الباردة، ثم مرحلة الحرب على الإرهاب، وصولًا إلى عصر المراقبة الرقمية، ومع ذلك ظلّ محيطه التشغيلي مستقرًا على نحو لافت دون أي شكوك حوله لسبب بسيط و تقليدي، وهو أنه من نخبة النخبة أو “La Crème De La Crème”. و بالتالي لن تثار أي شكوك حوله و حول ماهية أعماله، أو أن أحدًا من ضيوف جزيرته سيكون على مقصلة أرشيفه يومًا ما؛ و لسبب آخر مرتبط بعزلة الجزيرة بحد ذاتها وبالسرية التامة، والتحقيقات حول الضيوف واختيارهم بعناية ليكونوا في هذه الجزيرة أو الملفات.
تشير هذه الاستمرارية إلى أنه ينبغي فهم إبستين كعنصر وظيفي ضمن منظومة أوسع تربط بين تركّز الثروة، وإتاحة الوصول الاجتماعي، والتحصين القانوني، والاختلال المعلوماتي؛ وليس مجرد حالة شاذة داخل مجتمع النخب و نخبة النخب؛ لا سيما وأنه قد عمل أقلّ كفرد منحرف يستغل الثغرات والحظوات والثقة المفرطة والمصداقية العالية في تنفذ المهمات والوساطات، وأكثر كـعقدة داخل شبكة، أي كبنية وصل حوّلت الامتياز إلى إفلات من العقاب عبر مسارات مؤسسية قابلة للتكرار.
يكشف تراكم المواد المسرّبة، من مراسلات إلكترونية وسجلات سفر وملفات مالية وعقارية وإفادات قانونية، عن نمط عمل مؤسسي مألوف في أنظمة السلطة المعقّدة، ولا يدلّ على وجود غرفة تحكّم سرّية أو شخصية واحدة تدير المشهد من خلف الستار؛ وبالتالي نحن أمام نظام موزّع للمصالح والمنافع والمفاسد، يعمل بلا مركزية، ويستمدّ قوته تحديدًا من غياب المركز الواحد. لا يحتاج في هذا النوع من الأنظمة أي فاعل، مهما علا موقعه، إلى امتلاك الصورة الكاملة أو معرفة جميع التفاصيل، لكن تصبح تجزئة المعرفة شرطًا من شروط الاستمرار؛ بحيث يعرف كل طرف ما يكفي لأداء دوره فقط، ولا يمكن أن يطلع على أدوار آخرين، و في حال أراد الوصول إلى آخرين يكون عن طريق حلقة إبستين ولا أحد غيرها، ولا يُعدّ هذا القصور خللًا، إنما آلية أمان تقلّص مخاطر الانكشاف الشامل كلما تضاءل عدد من يمتلكون الصورة الكلية.
تعمل المنظومة كسلسلة تحويل وظيفية متتابعة، يتحوّل فيها الصمت والسرية والعزلة إلى عملة أولى، سواء كان صمت الضحية أو الشاهد أو المؤسسة المعنية؛ ويُكافَأ هذا الصمت بإتاحة الوصول، عبر دعوة، أو علاقة، أو فرصة، أو نفوذ اجتماعي،أو سياسي. يتحوّل الوصول بدوره إلى رأس مال، في صورة تمويل، أو استثمارات، أو تسهيلات، أو حماية مصالح على مستويات سياسية واقتصادية وأمنية ودولتية؛ ويُعاد توظيف رأس المال لاحقًا لشراء الحماية، عبر محامين أقوياء وتسويات خارج القضاء ونفوذ سياسي وتعطيل إجراءات؛ تُستخدم الحماية في النهاية لضمان الاستمرارية، أي استمرار النظام نفسه دون مساءلة بنيوية.
بتقييم التسريبات على الموقع، يبدو أن هذه العملية تدار بنظام يعمل وفق اقتصاد الصمت ووفق منطق الحوافز؛ بحيث يتصرّف كل طرف بعقلانية و سرية داخل مجاله الضيق، لكنه يساهم، من دون تنسيق صريح، في إنتاج حلقة جماعية واحدة هي القدرة على الإفلات من العقاب. تتعامل المؤسسات في هذا السياق مع عميل عالي القيمة، وتقدّر مخاطر سمعة قابلة للإدارة بدل رؤية جريمة؛ وتتعامل مكاتب المحاماة مع قضية معقّدة تتطلّب دفاعًا وتسويات ذكية بدل رؤية منظومة استغلال؛ بينما ترى النيابات العامة ملفات مجزّأة يصعب ربطها قانونيًا بدل ملف متكامل، وترصد الهيئات الرقابية تجاوزات إجرائية لا بنية جرمية؛ أما الأهم فهو أن صُنّاع القرار والمكاتب السياسية يرون في هذه الملفات أنهم يتعاملون مع شخصية حساسة أو ملف غير مناسب للفتح الآن.
تُظهر قضية إبستين كيف يمكن لمنظومة معقّدة من العلاقات والمؤسسات أن تُنتج فراغًا للمساءلة من دون الحاجة إلى تواطؤ صريح أو معرفة كاملة لدى جميع الأطراف، لا سيما وأن هناك توزيع للتعامل مع إبستين عبر مسارات قانونية ومالية واجتماعية وإعلامية، بحيث تعاملت كل جهة معه ضمن نطاقها الضيق، من دون أن تكون مُلزَمة بربط ما لديها بما لدى غيرها. في هذا الإطار، يكون استمرار الانتهاكات نتيجة بنية تسمح بتجزئة الوقائع وإدارة المخاطر بدل كشفها، وتحوّل المساءلة إلى عبء غير محدد الجهة. وعليه، فإن اختزال القضية في إبستين بوصفه مفترسًا منفردًا يقدّم سردية مريحة أخلاقيًا للمتورطين بها، لكنه يحجب السؤال البنيوي الأهم المتعلق بكيفية تمكين النظام نفسه لفاعل من هذا النوع من العمل لسنوات طويلة من دون تفعيل آليات تصحيحية فعّالة. هنا المشكلة تكمن في السلوك الإجرامي للشخص بذاته وفي توازنات القوة، والسيطرة غير المتكافئة على المعلومات، وبُنى الحوافز المؤسسية التي تُكافئ الاحتواء والتأجيل عندما تتقاطع المصالح النخبوية، بدل الدفع نحو كشف شامل ومساءلة جامعة.
أسماء بلا إدانات أو فضائح
تبدأ القراءة التحليلية السليمة لتسريبات إبستين من الإقرار بأنها توثّق الاتصال كفعل يقود إلى الإدانة، إذ تعمل بوصفها أرشيفًا للتفاعلات والأفعال أكثر من كونها أحكامًا أو لوائح اتهام؛ على اعتبار أنها تحفظ رسائل إلكترونية، ومواعيد، وتعريفات، وإشارات، وطلبات تواصل، ونقاط تماس اجتماعية أو مؤسسية. وهذا يعني أن ظهور اسمٍ ما من دون اقترانه بادعاء صريح، أو صورة، أو فيديو أو ملف تغييري حساس، يوثّق أن إبستين أو شبكته حاولوا الوصول إلى شخص أو مؤسسة، وليس أن ذلك الشخص بادر بالمقابلة، أو امتلك معرفة كاملة، أو شارك في سلوك غير مشروع؛ وبهذا المعنى، ينبغي قراءة التسريبات باعتبارها خريطة لمحاولات النفاذ لا قائمة شركاء.
يتعزّز هذا الفهم لأن عددًا كبيرًا من الأسماء “النظيفة” من أبعاد الفضائح الجنسية عل أقل تقدير، يرد أساسًا نتيجة سعي إبستين الحثيث إلى اكتساب الشرعية، عبر تثبيت حضوره في بيئات محترمة، واستعارة المصداقية من المؤسسات والألقاب والسمعات، وممارسة إشارات اجتماعية من قبيل “أعرف فلانًا أو التقيته”. وبالتالي، ورود الاسم في هذه الحالات يكشف عن استراتيجية إبستين لإعادة تأهيل صورته والتنقّل داخل النخب أكثر مما يكشف عن سلوك الشخص المذكور في الملفات. إذ توثّق التسريبات مبادراته هو وموافقات الآخرين، كما أن للتوقيت داخل التسريبات أهمية حاسمة، لأن التفاعلات السابقة لعام 2006 تختلف تحليليًا عن تلك اللاحقة للإدانة، ولأن الاتصالات التي سبقت المعرفة العامة بجرائم إبستين لا تُقرأ بالمنظار الأخلاقي أو السياسي ذاته الذي يُطبَّق بعد انهيار سمعته وترجيح سيناريو تحييده في السجن؛ فكثيرون يظهرون في مواد مبكرة (إيميلات وصفقات اقتصادية وترتيبات سياسية وأمنية)، حين كان إبستين يتحرّك بصورة اعتيادية داخل دوائر النخب الاجتماعية والمؤسسية، ويعكس حضورهم هذا التداول الطبيعي لا إخفاقًا أخلاقيًا.
هذا تمييز يقتضي أنه داخل المادة نفسها، تنتظم الأسماء عادة ضمن منطق ظهور وظيفي حيث يُذكر الشخص لكونه يشغل دورًا ما، مسؤول، أكاديمي، متبرّع، محامٍ، إداري، طيّار، موظف، وسيط؛ ومنطق دلالة سلوكية، حيث يقترن الاسم بادعاءات، أو شهادات، أو أنماط متكررة أو وقائع مُثبتة. الآن إذا اقتصر الظهور على المنطق الأول، فإن القراءة الواقعية هي قربٌ مؤسسي لا فضيحة؛ وبالتالي، غياب الفضائح عن كثير من الأسماء فسببه بنيوي مرتبط بطريقة عمل النظام نفسه؛ إذ إن هذا النظام، على ما يبدو، يقوم على عدم تساوي المعرفة بين الأطراف والحصرية والعزلة، بحيث لا يمتلك أي شخص الصورة الكاملة، بل يعرف كل طرف جزءًا محدودًا فقط. كما على الفصل بين عوالم اجتماعية، وجنسية، ومالية، بحيث لا تتقاطع هذه العوالم إلا عند إبستين نفسه.
لهذا السبب، دخل كثير من الأفراد دائرة إبستين وخرجوا منها دون أن تترتب على ذلك واقعة محددة أو سلوك إجرامي واضح، وما تحفظه التسريبات في الغالب ليس الجرائم ذاتها بقدر ما هو مدار العلاقات الذي عمل داخله النظام؛ وبالتالي لا يجوز التعامل مع كل اسم يرد في تلك التسريبات على أنه دليل إدانة؛ ويجب قراءة الأسماء على أنها إما أشخاص سعى إبستين إلى الوصول إليهم، أو جهات اقتضى الدور الوظيفي التواصل معها، أو أسماء استُخدمت لإيحاء بالمكانة والنفوذ. ولا يتحول ذكر الاسم إلى شبهة حقيقية أو إدانة محتملة إلا في حالة واحدة فقط، هي وجود ادعاء موثّق ومدعوم بالأدلة.
الاستغلال الجنسي كتقنية للسلطة
ضمن منظومة إبستين، يمكن تحليل الاستغلال الجنسي بوصفه انحرافًا جنائيًا أو مرضًا أو إفراطًا فحسب، ويمكن تحليله أنه تقنية للسلطة، ووسيلة لإنتاج النفوذ تتمتع بفعالية خاصة داخل البيئات السياسية والاقتصادية النخبوية؛ على اعتبار أن الاستغلال الجنسي الذي طاول قاصرات وقاصرين وأطفالًا من الجنسين ومن مختلف الجنسيات حول العالم، يولّد في آن واحد أصول استراتيجية من قبيل السرية، والعار، وقابلية الإنكار.
تُقلّص السرية فرص الانكشاف، ويحوّل العار الامتثال إلى سلوك داخلي، فيما يفتّت الإنكار المسؤولية؛ وعندما تتقاطع هذه الأصول مع فاعلين نخبويين (سياسيين، وممولين، وعلماء، ورجال أعمال وأفراد من العائلات المالكة، وشخصيات إعلامية ودبلوماسية و رئاسية) لا تحتاج المنظومة إلى استخدام الإكراه بصورة مباشرة؛ إذ يكفي التهديد الكامن بالفضح لتشكيل السلوك، وتقييد الخيارات، وضمان الصمت.
الأهم أن مثل هذه المنظومات لا تتطلب إجرامية شاملة بين جميع المشاركين؛ إذ إنه ليس على كل الأفراد/الضيوف/المتفرجون ارتكاب جرائم، ولا على كل الجرائم أن تُسجّل أو تُحفَظ في أرشيف الجزيرة. يحافظ التوزيع غير المتكافئ للمخاطر على المنظومة بحيث تتحمّل الضحايا أضرارًا جسدية ونفسية واجتماعية لا رجعة فيها، بينما يعتمد المشاركون الأقوياء على مؤسسات قانونية ومالية وسياسية وغيرها، لامتصاص المساءلة أو حرفها، ليحوّل هذا الاختلال الاستغلالَ من فضيحة مُزعزِعة إلى آلية استقرار داخل شبكات النخبة.
ولهذا تتسم عمليات إبستين بخصائص الاستمرارية التنظيمية لا الاعتداءات المتقطعة؛ إذ عمل مع فريقه على تقنين قنوات الاستقطاب، وتنظيم السفر والجدولة، وتشغيل الممتلكات بوصفها بيئات مضبوطة، وتصميم التحصين القانوني استباقيًا؛ وهذه ليست سمات فوضى، بل سمات نظام صُمّم لتقليل الاضطراب، وتقسيم الانكشاف، وتعظيم الصمت عبر الزمن.
غيسلين ماكسويل ومنطق الجاسوسية والوساطة
نفهم دور غيسلين ماكسويل على أنها ليست مجرد رفيقة أو مساعدة أو شريكة ثانوية؛ لدرجة أنه، تحليليًا، يمكن الإشارة إلى أنها أدّت وظيفة الوسيط، والوسطاء (كما في هذه الحالة) عنصر بنيوي لا غنى عنه في أي نظام سري أو شبه سري؛ وتتمثل وظيفتهم الأساسية في تقليل قابلية التتبع وتفكيك المسؤولية. يدور فلك ماكسويل بين عوالم لا يمكنها التفاعل مباشرة بأمان، مثل التفاعل بين الضحايا والرعاة، وبين المال والوصول، وبين التجاوز الخاص والشرعية العامة؛ وبالتالي قيمة ماكسويل في السيطرة التشغيلية، وأعلى من ذلك في الوساطة الاجتماعية، لكونها قد أدارت الثقة، وطَبّعت القرب، وحوّلت الاستثنائي إلى مألوف. لم يكن تعليمها النخبوي، وتنقلها العابر للحدود، وطلاقتها اللغوية والثقافية، وانغراسها في الدوائر الاجتماعية الراقية سماتٍ شخصية عارضة، بقدر ما هي أصولًا بنيوية، مكّنت المنظومة من الاستقطاب صعودًا نحو فاعلين أكثر نفوذًا، وانتشارًا عرضيًا عبر الحدود والقطاعات والمؤسسات.
وتكمن أهمية ذلك في أن الأنظمة المبنية على الوسطاء تميل إلى تجاوز الأفراد عمرًا. إذ تمتص طبقة الوساطة الظهور والمخاطر القانونية، فتحصّن العقد العليا من التعرض المباشر. وحتى بعد وفاة إبستين وإدانة ماكسويل، لا تزال أسئلة جوهرية عديدة بلا إجابة لأن الطبقات العليا للنظام لم تُجبَر قط على مواجهة قانونية كاملة. تبقى البنية، لا الأفراد، هي المشكلة الدائمة.
يُوضَع دور غيسلين ماكسويل في قلب هذه البنية بوصفها وسيطًا فاعلًا، لا منفّذًا أساسيًا وقائدًا معلنًا لعمليات ولقاءات إبستين بعملائه، وتكمن خطورته في إثبات مؤامرة استخبارية جاهزة، و تجسيد الكيفية التي تتحول بها منظومة إكراه إلى نظام مستدام حين تُبنى على الوساطة الاجتماعية وتجزئة المعرفة والمتاجرة بالسمعة، إذ قامت ماكسويل بترجمة العبور بين عوالم لا ينبغي أن تلتقي من دون كلفة؛ بين العمل الخيري النخبوي والافتراس الخاص، وبين الوصول الاجتماعي وتنظيم اللوجستيات المغلقة، وبين الاحترام العام والهشاشة الخاصة.
للمتابعة، تكتسب علاقة غيسلين بوالدها روبرت ماكسويل وزنًا إدانيًا بنيويًا لا تفصيلًا ثانويًا، لأن الادعاءات التاريخية حول قربه من أجهزة استخبارات، ومنها الموساد، حُسمت قضائيًا، ولأن تداولها نفسه صنع التباسًا استراتيجيًا فاعلًا غيّر سلوك المؤسسات وأعاد توجيه قراراتها، فاختارت المصارف مثلًا إدارة المخاطر بدل الانسحاب، وأجّلت الجهات الرقابية المواجهة والمحاسبة، وضيّقت النيابات العامة نطاق التحقيق، وبرّر حرّاس البوابات الاجتماعية استمرار القرب من إمبراطورية العلاقات العامة هذه. يظهر هنا الفعل الجاسوسي، كما تمارسه أجهزة استخبارات توسّعت في استغلال الغموض والظل، بوصفه قوة مُفسِدة للحكم الرشيد “Good Governance” حين يحوّل الاشتباه إلى حماية، ويحوّل عدم اليقين إلى شلل مؤسسي، ويُنتج تساهلًا بنيويًا لا مؤامرة منسّقة فحسب.
تكشف ملفات إبستين، عبر الاتصالات والجداول والتنقلات وتطبيع حركة النخب، عن نظام موزّع لا يحتاج إلى عقل مدبّر واحد لأن المعرفة فيه مجزأة والحوافز متناسقة، فيُشترى الصمت بالوصول، ويُحوّل الوصول إلى رأس مال، ويُستخدم المال لشراء الحماية، وهكذا تُصان الاستمرارية. وعند هذه النقطة تحديدًا تُختبر فكرة عقل الابتزاز؛ إذ لا تُثبت بالأسماء ولا بالقرابة ولا بالسرديات المتوارثة فحسب، بل بمؤشرات تشغيلية قابلة للتحقق مثل مسار المنافع ولغة التكليف ووجود وسطاء ممسكين بالخيوط والتطابق الوثائقي بين سجلات مستقلة؛ وإلى حين اكتمال هذا الإثبات، تبقى الإدانة الأشدّ بنيوية لا شخصية، لأنها تكشف كيف يمكن للافتراس أن يُؤسَّس كوظيفة شبه حوكمية داخل شبكات النخبة، منتجًا نفوذًا قابلًا للاستغلال استخباريًا من دون ملكية أو إشراف، وهو نموذج مقلق لخصخصة إنتاج الابتزاز يظل ذا أثر جيوسياسي عميق، ويستدعي إدانة صريحة لممارسات استخبارية، ومنها ممارسات الموساد، حين تتغذّى على الغموض وتُقوِّض المساءلة بدل حماية القانون.
ربما يمكن أن نسأل هل أدارت أجهزة استخبارات إبستين، أم أن معلومات إبستين وأرشيفه هو الذي وجّه سلوك هذه الأجهزة، وهل البيئة التي خلقها إبستين قد فادت المنظومات الاستخبارية في رصيد سياسي وأمني عالٍ ونخبوي تبني عليه منظومة إدارتها لمختلف القضايا حول العالم.
تاريخيًا، استغلت أجهزة الاستخبارات عبر أنظمة سياسية مختلفة مواطن الضعف الجنسي، والاعتماد المالي، ونفاق النخب والمشاهير والشخصيات العامة كمصادر نفوذ؛ إن نظامًا خاصًا يجمع الوصول إلى فاعلين أقوياء، ويُنتج أوضاعًا قابلة للابتزاز، ويحتفظ بسجلات، ولو بصورة غير رسمية، يخلق بنية فرص. وسواء فُعِّلت هذه الفرصة واستُغلت أم لا، فالثانوي هو التشغيل، والأهم هو الوجود غير المنظّم وغير الخاضع للرقابة.
بهذا المعنى، يمثّل إبستين خصخصة لإنتاج المخاطر حيث يكون فاعل غير دولتي يولّد نفوذًا يمكن لفاعلين دولتيين (رؤساء وأمراء ومسؤولين حكوميين ورؤساء جمعيات عمومية ولجان وفواعل اقتصادية أكبر) استغلاله دون ملكية رسمية أو إشراف أو مساءلة؛ وليس هذا ادعاءً بالتنسيق، لكن تشخيصًا لهشاشة بنيوية في البيئة الاستخبارية العالمية.
المال والحماية المؤسسية
تظل العمليات المالية لقضية إبستين من أكثر جوانب القضية افتقارًا إلى الشفافية، وهذا الغموض ذاته هو سمة القضية؛ إذ أن ثروته لم تموّل الاستغلال فحسب، بل اشترت العزل، لا سيما وأن المصارف، ومكاتب المحاماة، ومديرو الأصول، والمحققون الخاصون، والوسطاء السياسيون قد شكلوا منظومةً حولت المخاطر القانونية والسمعية “Reputation” والجنائية إلى آثار جانبية قابلة للإدارة والتحكم. تعاملت كل مؤسسة مع شريحة من العملية شملت حسابات هنا، واستراتيجية قانونية هناك، وعلاقات عامة في موضع ثالث، بما أتاح إنكارًا معقولًا في كل خطوة.
تعكس هذه التجزئة ديناميات أوسع في المالية العالمية وحوكمة المسافة والبعد والانعزال والسرية القاتمة المحيطة ببيئة إبستين، على اعتبار أن السلطة الحديثة مُصمّمة بحيث لا يمتلك أي فاعل رؤية شاملة، ومع ذلك تبقى النتائج الجماعية مستقرة؛ ليشبه هذا المنطق بنيويًا ما يحدث في تدفقات السلاح غير المشروعة، والالتفاف على العقوبات، والتمويل عبر الملاذات الضريبية، والتحايل التنظيمي، وهي مجالات متشابكة بعمق مع الجيوبوليتيكس وسلطة الدول وهيمنة الحكومات والنافذين، وبالمحصلة لم يعمل النظام المالي لإبستين خارج الرأسمالية العالمية؛ ولكن استغل أكثر سماتها اعتيادًا عبر النفاذ و التلاعب.
الجيوبوليتيكس والحوكمة
على عكس ما ينتشر على منصات التواصل الاجتماعي، ونظريات المؤامرة، ينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات التي تربط شبكة إبستين مباشرة بمخرجات جيوسياسية، كالانتخابات (الحالة الأميركية والروسية والانتخابات في الشرق الوسط، أو الحروب، وأهمها الحرب في سوريا )، أو صفقات السلاح و شراء ولاءات شركات التسليح الخاصة، أو صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) أو ترتيب صفقات سياسية وإعلامية و صفقات سلاح و نفوذ. فالسببية في الجيوبوليتيك نادرًا ما تكون خطية، وغالبًا ما تحجب التفسيرات الكلية أكثر مما تُظهر. لكن يمكن الجزم بأن منظومات مثل منظومة إبستين تُضعف الحوكمة بصورة غير مباشرة؛ إذ تُقوِّض الثقة، وتشوّه صناعة القرار النخبوي، وتُطبع الإفلات من العقاب بوصفه ثمنًا للاستقرار.
مثلًا، نلاحظ أن أهمية مراسلات “إبستين وإيهود باراك، وروسيا وسوريا” في البنية التي تكشفها، حيث لدينا طبقة دبلوماسية ظلّ تعمل بالتوازي مع المفاوضات الرسمية طوال الحرب السورية؛ وتشير إلى أن النزاع لم يكن مجرد مواجهة بين النظام السوري ومعارضيه، بل عملية مساومة مطوّلة بين قوى كبرى حول شكل النظام الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب. منذ عام 2012 سعت روسيا إلى الحفاظ على الدولة السورية وموطئ قدمها الاستراتيجي والوصول إلى موقع متقدم في الشرق الوسط و المياه الدافئة، بينما هدفت إسرائيل إلى كسر محور طهران–دمشق دون انهيار البلاد وتحولها إلى فوضى تسليح ومليشيات (ما يهدد أمنها بالنهاية)، وحاولت الولايات المتحدة احتواء إيران مع تجنّب تدخل آخر على نمط العراق، في حين أعطت إيران أولوية للإبقاء على ممرّها نحو لبنان إلى حين وصل الأمر إلى الذروة وتم تغيير شكل المنطقة بعد عام 2023.
كانت المفارقة أن جميع الأطراف أرادت انتهاء الحرب، ولكن ليس بالطريقة نفسها، ما خلق حيّزًا أصبحت فيه الوساطات القابلة للإنكار مفيدة، وهنا أمكن لشخصية غير رسمية (إبستين) أن تؤدي دور وسيط ينقل مقترحات لا يمكن إيصالها عبر القنوات الدبلوماسية العلنية، مثل انتقال يزيح الأسد مع الحفاظ على مصالح روسيا ومؤسسات الدولة (وهذا ما حصل في 2024)، وهي صيغة استُبدلت لاحقًا بقرار موسكو تأمين الاستقرار عبر التدخل المباشر عام 2015.
وعند النظر إليها بهذه الطريقة، فإن الدور المنسوب إلى إبستين ينسجم مع نمط أوسع في صراعات القوى الكبرى، حيث لدينا فاعلون غير رسميين يربطون بين النخب السياسية وشبكات الأعمال ودوائر الاستخبارات ومليشيات عسكرية ممولة، ما دون الدولة ورسائل الإعلام لاختبار تسويات من دون التزام رسمي. فعليًا، دار الملف السوري نفسه حول معضلة مركزية فيما إذا كان تغيير النظام يمكن أن يحدث من دون انهيار الدولة، وعندما جعل صعود الجماعات الجهادية وتفكك المؤسسات ذلك غير مرجح، اختارت روسيا (حينها) تثبيت الاستقرار عسكريًا بدلًا من انتقال تفاوضي ومسارات سياسية (مثل أفكار مسارات جنيف وأستانة وسوتشي). وهكذا تلتقط هذه المراسلات لحظة كان الخصوم يتفاوضون فيها على حدود مقبولة لا على نصر حاسم، مستخدمين قنوات اتصال غير مباشرة موازية لترتيبات منع الاشتباك المعروفة والقنوات الخلفية الإقليمية. ولا ننسى أن سوريا قد عملت في آنٍ معًا كساحة قتال وكفضاء تفاوض، حيث تلازم التصعيد العلني مع التنسيق الخاص؛ ومن ثم فإن أهمية “طبقة إبستين” ليست دليلًا على نفوذ شخصي، بقدر ما هي مؤشر إلى أن مآلات الحرب صاغتها شبكات قادرة على التنقل بين الحكومات من دون مساءلة رسمية، كاشفة نزاعًا حكمته المساومة المضبوطة بقدر ما حكمه القتال نفسه.
عمومًا، في مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث شرعية الحكم هشّة أصلًا وتتشابك السياسة مع الاستخبارات بعمق، يعزّز إدراكُ أن النخب العالمية تعمل فوق القانون سرديات الازدواجية والعدالة الانتقائية. وهذا لا يُنشئ الحركات المتطرفة فحسب، لكنه يغذّي المظالم السياسية والأخلاقية التي تتغذّى عليها. فالتآكل في الشرعية لا يحدث بسبب فضيحة واحدة، بل بفعل تراكم الأدلة على أن السلطة تحمي نفسها.
“داعش” و”النصرة” والمعلومة كسلاح
منذ تأسيسها، ظهرت تنظيمات مثل “داعش” و”جبهة النصرة” على أنها مشاريع بيروقراطية–معلوماتية متكاملة، أكثر من كونها مشاريع عسكرية وأمنية تقليدية، لا سيما وأنها أنتجت سجلات سكانية، ودفاتر جباية، وقوائم مقاتلين وعائلاتهم، ووثائق محاكم، وأنظمة إدارة مدنية، بحيث تحولت هذه المواد لاحقًا إلى أصول استراتيجية بحد ذاتها. وهنا لم يعد القتال يدور فقط حول الأرض و المساحة، لكن حول الوثيقة؛ وبالتالي من يملك الأرشيف يملك القدرة على الاستخبارات، والعدالة الانتقالية، والابتزاز السياسي، وحروب السردية.
ضمن هذا الإطار، وضمن مسارات تسريبات ملف إبستين، يمكن قراءة الحرب السورية بوصفها حرب وكلاء متعددة المستويات (فيها عدة فاعلين وعدة ممولين)، لا مجرد مواجهة ثنائية بين نظام وجمهور ثورة. فقد عملت موسكو وطهران على حماية بقاء الدولة، بينما سعت واشنطن وحلفاؤها إلى تعديل سلوكها وتقليص نفوذ إيران، وحاولت أنقرة منع قيام كيان كردي مستقل، فيما أرادت دول الخليج كسر محور طهران، وسعت تل أبيب لإبعاد إيران عن حدودها. نتيجة تداخل هذه الأهداف نشأ نمط حرب خاص، فيه فكرة أنه لا أحد يريد احتلال سوريا مباشرة، لكن الجميع يريد التأثير في ميزان القوة داخلها؛ وهنا تحوّل السلاح إلى مؤشر على اتجاه الرعاية الخارجية أكثر منه تعبيرًا عن مشروع محلي مستقل، إذ إن شبكات التمويل والتسليح أصبحت أهم من الانتماء الأيديولوجي، وتبدّلت توصيفات الفصائل بين معتدلة ومتطرفة ثم معتدلة تبعًا للحظة السياسية، وانتقلت الأسلحة بين الفصائل مع تغيّر خطوط الدعم.
في هذه البيئة أُظهر الفاعل غير الدولتي كمنتج للنظام الدولي لا كنتيجة فوضى محضة، إذ أدى وظائف ضغط وتفاوض وضبط حدود واستنزاف متبادل، وتحول إلى أداة توازن أكثر منه خصمًا للدولة. لذلك برزت محدودية فكرة المعارضة المعتدلة، فالفصيل بلا داعم مستقر يختفي، والبنى الأكثر تماسكًا، مثل “داعش” سابقًا أو “هيئة تحرير الشام” لاحقًا بعد تحوّل “جبهة النصرة”، تبتلع الأضعف مثل “جيش الإسلام” وغيرهم، لأن السلاح يتجمع حيث توجد شبكة إمداد أكثر انتظامًا؛ ولهذا فشلت برامج التدريب الخارجية بعد أن اصطدمت ببنية استراتيجية تُجبر المجموعات الصغيرة على الاندماج داخل شبكات أقوى ماليًا وتنظيميًا.
ومع تعمّق الصراع نشأت سيادة مجزأة أنتجت أرشيفات متنافسة فيها ملفات الدولة، وسجلات المعارضة، وقواعد بيانات الميليشيات والفصائل، ومستودعات أجهزة الاستخبارات؛ وكان كل أرشيف يحمل نفوذًا محتملًا عسكريًا وسياسيًا وقانونيًا واقتصاديًا، إذ يمكن استخدامه لاحقًا في المحاكمات أو التسويات أو إعادة كتابة الرواية التاريخية للحرب. وهنا أصبحت السيطرة على المعلومة امتدادًا للسيطرة على الأرض.
يظهر التحول من “جبهة النصرة” إلى “هيئة تحرير الشام” مثالًا واضحًا على كيفية تحوّل التصنيف ذاته إلى أداة استراتيجية، فمحاولات إعادة التسمية، وادعاءات القطيعة التنظيمية، وتبدّل المعاملة الدولية، تكشف أن الشرعية نفسها أصبحت نظام معلومات؛ بحيث تُبنى عبر ملفات، وتصنيفات، وتسريبات، وإفصاحات انتقائية، ولم يكن الأمر تبرئة أخلاقية، بقدر ما هو تكيّف مع بيئة يحدد فيها الاسم شروط البقاء والتمويل وإمكانية التفاوض.
بحسب هذه الوثائق مثلًا، تكشف الحرب السورية انتقال الحروب الحديثة من منطق الحسم العسكري إلى منطق الإدارة السياسية للصراع؛ بحيث أنه لم يعد الهدف إسقاط الدولة أو انتصار فصيل نهائيًا، بل منع انتصار الخصم وإعادة تشكيل سلوكه. لذلك كنا نلاحظ خطوط عدم الاشتباك، والضربات المحدودة، والمفاوضات المتزامنة مع القتال والهدنات والتقسيمات والمسارات السياسية المصاحبة والتنازلات وخرائط السيطرة. إمبراطورية إبستين تكشف لنا الحروب تُدار بالمعلومات والمال بقدر ما تُدار بالنار، حيث يمكن للأرشيف أن يكون أحيانًا أخطر من المدفع، وللتصنيف أن يقرر مصير الفصيل أكثر من قوته العسكرية.






