ثورة المشاهدة الخاطفة.. ضياع عمق الدراما في زمن المقاطع القصيرة

السياسي -متابعات

في عصر التمرير اللانهائي على الشاشات أو ما يُعرف بالـ (Infinite scrolling)، لم يعد المحتوى القصير مجرد وسيلة للترفيه السريع، بل تحوّل إلى قوة مؤثرة تعيد تشكيل طريقة سرد القصص نفسها، فمنصات مثل تيك توك وإنستغرام ريلز ويوتيوب شورتس لم تعد تكتفي بخطف الانتباه لثوانٍ، بل فرضت إيقاعاً جديداً على صناعة المحتوى المرئي بأكمله، بما فيه السينما والدراما.

الجمهور اليوم أصبح يبحث عن التأثير الفوري؛ كلقطة تترك أثراً، أو فكرة تُفهم بسرعة، أو مشاعر تُنقل دون إطالة، فهو يشاهد الأعمال الفنية وهو منشغل في الوقت ذاته بتصفّح منصات التواصل، والتنقل بين المقاطع السريعة والرسائل والإشعارات، دون تركيز كامل.

الإجبار على تكرار الحبكات
هذا النمط من المشاهدة لم يعد سلوكاً فردياً عابراً، بل أصبح ثقافة عامة فرضت نفسها على صنّاع الفن، ودفعت شركات الإنتاج إلى إعادة النظر في أساليبهم التقليدية، فبحسب ما كشفه الممثل الأمريكي مات ديمون خلال حديثه في بودكاست “جو روغن” مؤخراً، فإن منصة نتفليكس أصبحت تطلب من الكُتّاب تكرار النقاط الأساسية للحبكة داخل الحوار، لضمان فهم المُشاهد القصة وهو منشغل بهاتفه.

وأوضح ديمون أن القواعد التقليدية لصناعة أفلام الحركة كانت تعتمد على توزيع ثلاثة مشاهد رئيسية ضخمة عبر فصول الفيلم، مع تخصيص الجزء الأكبر من أموال الإنتاج والمشاهد الأكثر إثارة وتكلفة لعرضها في نهاية العمل، لكن التوجه الحالي في المنصّات يُجبر الكتّاب على ضرورة وضع مشهد حركي ضخم في الدقائق الخمس الأولى من العمل لجذب المشاهدين ومنعهم من مغادرة المنصة.

ليس ذلك فقط، بل يُطلب من الكتّاب أيضاً تكرار شرح حبكة الفيلم ثلاث أو أربع مرات ضمن الحوار الدرامي؛ لأنه لم يعد يُفترض أن المشاهد متفرغ ذهنياً، بل منشغل بتصفح هاتفه، ويتابع العمل بنصف انتباه.

تفكك السرد وتسليع الإثارة
هذا الواقع انعكس مباشرة على بنية الأفلام والمسلسلات، فبدل البناء التدريجي، والصعود الهادئ للأحداث، باتت الأعمال مضطرة لـ”حشر” عناصر الجذب في الدقائق الأولى؛ وكأن الانفجارات، والمشاهد الصادمة، والحبكات السريعة والمتكررة، والمفاجآت المبكرة، كلها مجرد “طُعم” لإبقاء المشاهد أطول وقت ممكن.

ووفق تقرير حديث لصحيفة “الغارديان” البريطانية، فقد تراجع ما كان يُعرف بـ”الاحتراق البطيء” في السرد، واختفت المساحات التأملية، لصالح إيقاع متسارع لا يترك مجالًا للتفاعل العاطفي العميق، وتحوّلت الكثير من الأعمال إلى سلسلة من “اللحظات القابلة للاقتطاع”، الصالحة للتحول إلى مقاطع قصيرة على مواقع التواصل.

ولم يتوقف التأثير عند مستوى السرد، بل امتد إلى الشكل البصري أيضاً، فيرى مات ديمون أن اهتمام المخرجين بالصورة السينمائية بدأ يتراجع، لأن معظم الجمهور أصبح يشاهد الأعمال على هواتف وأجهزة لوحية لا تسمح بتقدير التكوينات البصرية المعقدة أو التفاصيل الدقيقة.

وبالتالي مع تقلص مساحة العرض، تقلصت معها طموحات الصورة، ولم تعد اللقطة مصممة لتُبهر على شاشة عملاقة، بل لتكون واضحة على شاشة بحجم الكف.. وهكذا، تراجعت التجارب البصرية الجريئة لصالح تصوير يناسب كل الشاشات.

وفرة المنصات وضغط الأرقام
أيضاً في الماضي، كان الفيلم أو المسلسل يُقاس بنجاحه النقدي والفني قبل أي شيء، أما اليوم، فأصبح معيار النجاح الأساسي هو عدد المشاهدات، وأصبحت منصات البث تمتلك كمّاً هائلًا من البيانات الدقيقة حول سلوك الجمهور: متى يمل؟ في أي دقيقة بالضبط توقف عن استكمال العمل؟ أي مشهد يعاد أكثر؟ وأي حلقة تُهمل؟

هذه البيانات لم تعد أداة تحليل فقط، بل أصبحت أداة توجيه فني، فتُكتب السيناريوهات اليوم وهي تراعي سلوك المشاهدة، لا فقط المنطق الدرامي.

وفي هذا المناخ، بدأ يختفي تدريجياً الفاصل بين العمل الفني والمحتوى، فلم يعد الفيلم مشروعاً جمالياً طويل النفس بالضرورة، بل منتجاً تنافسياً داخل سوق مزدحم، عليه أن يخطف الانتباه سريعاً ومراراً، وإلا ضاع وسط آلاف الخيارات.

وبالتالي بات كثير من المخرجين والكتّاب يعملون تحت ضغط الخوارزميات، لا تحت إلهام الفكرة فقط، إذ يُطلب منهم التفكير في “قابلية الانتشار”، و”إمكانية التلخيص”، و”مشاهد السوشيال”، قبل التفكير في البناء الفني المتكامل.

الفن في مواجهة التشتت
ورغم ذلك، يرى بعض النقاد أن ما يحدث لا يعني نهاية الفن، بل نهاية مرحلة تاريخية منه، فالسينما التي بُنيت على التفرغ والصالة المظلمة والتركيز الكامل، تواجه اليوم واقعاً جديداً، تفرضه ثقافة الشاشة الصغيرة والانتباه المجزأ.

وقال الناقد الفني محمد عبد الرحمن في تصريحات خاصة لـ24 إننا نشهد نهاية أسلوب السرد الذي عرفه الناس لقرن كامل على الأقل، سواء داخل  الأعمال الدرامية ذات الحلقات الطويلة نسبياً، من 20 إلى 30 دقيقة، وصولاً إلى الدراما الرأسية التي تُشاهد فقط عبر الهاتف المحمول ومدّة الحلقة دقيقتين على الأكثر.

وأضاف عبد الرحمن في حديثه لـ24، أن المشاهدة باتت هي الهدف وليس الإشباع، وهو أمر يمنع الذاكرة من الاحتفاظ بأي أعمال ويحوّل الدراما إلى مجرد ومضات، سواء عبارات مجزأة جادة أو نكات يمكن أن تنطبق على أي موقف عابر، دون الاهتمام بأصل النكتة وفي أي مسلسل ذُكرت.

ورغم ذلك، راهن الناقد الفني على أن الجمهور يغيّر عاداته باستمرار، والعمل الدرامي الذي أُعد بعناية والموجّه للمشاهد القادر على الانغماس في الأحداث بعيداً عن المشتتات سيظل باقياً، لكن ستتقلص مساحته، وسيظل هو الاستثناء، حتى تدور الدائرة ويملّ الناس من المشاهدات السريعة.. وهو ما سيحدث عاجلاً أو أجلاً.