ليست الحرب بين دولة المؤسّسات ودولة الطوائف مجرّد نزاعٍ على السلطة، ولا هي اختلافٌ عابر في طرائق الحكم، بل هي صراعٌ عميق بين منطق الدولة وغريزة الجماعة، بين فكرةٍ وُلدت من رحم العقل الحديث، وبنيةٍ أقدم تشكّلت في دهاليز الخوف والدم والذاكرة الجريحة. إنّها حربٌ بين ما يُراد له أن يكون نظامًا عامًا، وما يُصرّ على البقاء انتماءً خاصًّا؛ بين القانون حين يصير سيّدًا، والهوية حين تتحوّل إلى سيّاف.
دولة المؤسّسات هي الدولة التي تُعرِّف مواطنيها بوصفهم ذواتًا قانونية لا أجسادًا طائفية، وتُخضع السلطة لمبدأ التداول والمساءلة، لا لطقوس الوراثة أو شرعية السلالة. في هذه الدولة، لا يُسأل الفرد عمّا يؤمن به، بل عمّا يلتزم به؛ ولا يُكافأ لانتمائه، بل لكفاءته. إنّها دولة تنزع القداسة عن السياسة، وتُعيدها إلى حقل التدبير العقلاني، حيث تُدار الخلافات بالقانون لا بالدم، وبالمؤسّسة لا بالميليشيا.
في المقابل، تقوم دولة الطوائف على منطقٍ معاكس: الانتماء يسبق المواطنة، والذاكرة تسبق المستقبل، والجماعة تبتلع الفرد. هنا لا تُمارَس السياسة بوصفها فنّ الممكن، بل بوصفها طقسًا هويّاتيًا، يُعاد فيه إنتاج الخوف بوصفه رأسمالًا رمزيًا، ويُستثمر الدم الماضي لتبرير العنف القادم. الطائفة لا تحتاج إلى دستور بقدر ما تحتاج إلى سردية، ولا إلى قانون بقدر ما تحتاج إلى عدوّ دائم يُبقيها في حالة تعبئة قصوى.
الصراع بين الدولتين ليس متكافئًا؛ فدولة المؤسّسات تُبنى بالصبر، وتترسّخ بالتراكم، وتحتاج إلى زمنٍ طويل من التربية السياسية، أمّا دولة الطوائف فتنهض سريعًا كلّما انهار المعنى، وتتمدّد كلّما تراجعت الثقة، وتزدهر حيث تفشل الدولة في تحقيق العدالة. الطائفية ليست سبب انهيار الدولة فحسب، بل هي أيضًا أثرٌ من آثار فشلها؛ وحين تعجز المؤسّسات عن حماية المواطن، تعود الجماعة لتعرض عليه حمايةً مشروطة بثمن الولاء.
سياسيًا، تتحوّل هذه الحرب إلى معركة على تعريف الشرعية: هل هي شرعية الصندوق والمؤسّسة، أم شرعية الدم والتمثيل الطائفي؟ وفي هذه المعركة، غالبًا ما تُهزم الدولة الحديثة لأنّها تُواجَه بسلاحٍ غير متكافئ: فهي تُقاتِل بالقانون ضدّ اللاعقل، وبالمجرد ضدّ الأسطوري، وبالمستقبل ضدّ ماضٍ لم يُدفن بعد. هكذا تُستنزَف الدولة، لا في ساحات القتال فقط، بل في وعي مواطنيها، حين يُقنَعون بأنّ الطائفة أكثر واقعية من الوطن، وأنّ الحماية الجزئية أصدق من العدالة الكلّية.
فلسفيًا، يمكن قراءة هذا الصراع بوصفه مواجهة بين العقل المؤسّسي والعقل الأسطوري؛ بين رؤيةٍ ترى الإنسان كائنًا حقوقيًا حرًّا، ورؤيةٍ تختزله في نسبه ومذهبه وذاكرته المثقلة. إنّ دولة الطوائف لا تُنتج مواطنين، بل رعايا خائفين، ولا تُنتج سياسة، بل إدارة دائمة للأزمات. أمّا دولة المؤسّسات، فإنّها لا تولد مكتملة، بل تُبنى ضدّ الغرائز، وضدّ السهولة، وضدّ الإغراء الطائفي الذي يعد بالأمان السريع على حساب الخراب البطيء.
إنّ الخروج من هذه الحرب لا يكون بانتصارٍ عسكري، بل بانتصارٍ ثقافي ومعرفي، حين يُعاد تعريف الانتماء من كونه قدرًا مغلقًا إلى كونه اختيارًا مفتوحًا، وحين تُستعاد السياسة من أيدي الهويّات القاتلة لتعود فعلًا عقلانيًا يخضع للنقد والمساءلة. وحدها دولة المؤسّسات القادرة على تفكيك الطائفية، لا بقمعها، بل بتجفيف منابعها: العدالة، والمساواة، والكرامة، بوصفها بدائل أخلاقية عن وهم الحماية الطائفية.
في النهاية، ليست الحرب بين دولتين، بل بين صورتين للإنسان: إنسانٌ يُختزل في جماعته، وإنسانٌ يسمو بقانونه. وكلّما تأخّر الحسم لصالح الثانية، طال زمن الأولى، وتحوّلت الطوائف من هوياتٍ ثقافية إلى آلات حرب، ومن ذاكرةٍ جمعية إلى قدرٍ دمويٍّ يتوارثه الأبناء باسم النجاة.









