تشير المؤشرات المتراكمة في الخطاب والممارسة السياسية الأ.مريكية إلى أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة من إدارة هيمنتها الدولية، مرحلة تتسم بتخلّيها التدريجي عن اللغة الليبرالية التقليدية التي رافقت النظام الدولي بعد الحرب الباردة، واعتمادها منطقًا أكثر مباشرة يقوم على فرض المصالح بالقوة، وإعادة تصنيف الحلفاء وفق منسوب الطاعة والوظيفة. هذه المرحلة لا تمثل انحرافًا ظرفيًا أو رد فعل انتخابيًا، بل تعبيرًا بنيويًا عن انتقال الدولة الأمريكية من إدارة التفوق إلى استثماره الصريح، في ظل تآكل النظام الدولي القائم وعجز المؤسسات متعددة الأطراف عن ضبط الصراعات.
في هذا السياق، تستعيد الأطروحة الكلاسيكية التي ترى الإمبريالية بوصفها ذروة تطور الرأسمالية معناها العملي، لا بوصفها توصيفًا أيديولوجيًا، بل كإطار تفسيري لسلوك دولة بلغت أقصى مدى من التمركز الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي، ولم يعد أمامها سوى توسيع دائرة السيطرة أو المخاطرة بفقدانها. فالإمبريالية هنا لا تُمارَس عبر الاستعمار التقليدي، بل عبر أدوات أكثر تعقيدًا: التحكم في سلاسل الإمداد، فرض القواعد الأمنية، احتكار القرار الاستراتيجي، وإخضاع الحلفاء قبل الخصوم.
خطاب الإدارة الأمريكية، خصوصًا في عهد دونالد ترامب، مثّل التعبير الأكثر وضوحًا عن هذا التحول. فالرئيس الأمريكي لم يسعَ إلى تجميل الهيمنة أو تسويقها أخلاقيًا، بل قدّمها بوصفها حقًا مكتسبًا نابعًا من فائض القوة. وقد شكّل ذلك قطيعة مع الخطاب الأمريكي التقليدي الذي كان يحرص، ولو شكليًا، على تغليف التدخلات بلغة القانون الدولي أو الدفاع عن الديمقراطية. في المقابل، باتت المصالح تُطرح بصيغة مباشرة: من لا يدفع لا يُحمى، ومن لا ينسجم مع الأولويات يُقصى.
ضمن هذا الإطار، يكتسب التحول الدلالي من “الدفاع” إلى “الحرب” معنى استراتيجيًا يتجاوز المسألة الشكلية. فالعقيدة الأمنية الأمريكية لم تعد تركز على الردع، بل على المبادرة الاستباقية، ولم تعد ترى في الاستقرار غاية، بل مرحلة مؤقتة تُدار إلى حين فرض وقائع جديدة. ويُلاحظ أن هذا المنطق ترافق مع توسّع غير مسبوق في تعريف “الأمن القومي”، ليشمل الموارد الطبيعية، الممرات البحرية، الفضاء السيبراني، والتموضع في المناطق القطبية، بما فيها جزيرة غرينلاند.
قضية غرينلاند ليست تفصيلًا معزولًا، بل نموذجًا دقيقًا لكيفية اشتغال العقل الاستراتيجي الأمريكي الجديد. فالجزيرة، بما تمتلكه من موقع جغرافي حاسم بين القطب الشمالي وشمال الأطلسي، وبما تختزنه من موارد نادرة، أضحت جزءًا من معادلة الصراع المستقبلي مع الصين وروسيا. ومن هذا المنطلق، لم تتردد واشنطن في التعامل مع إقليم تابع لدولة حليفة بمنطق “الاستحواذ”، في سابقة تكشف أن مفهوم السيادة لم يعد عائقًا حين تتعارض مع المصالح الحيوية الأمريكية.
هذا السلوك يعكس تحوّلًا أعمق في طبيعة العلاقة مع أوروبا. فالاتحاد الأوروبي، الذي شكّل لعقود الشريك السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة، بات يُنظر إليه في واشنطن بوصفه كيانًا عاجزًا، مثقلًا بالانقسامات، وغير قادر على تأمين مصالحه دون المظلة الأمريكية. ومن ثم، لم تعد الولايات المتحدة ترى ضرورة في الحفاظ على وهم الشراكة المتكافئة، بل انتقلت إلى مرحلة إعادة ضبط العلاقة على أساس التبعية الوظيفية.
التوتر بين الطرفين ليس جديدًا، لكنه بلغ اليوم مستوى بنيويًا. فمنذ رفض فرنسا وألمانيا الانخراط الكامل في حرب العراق، بدأت الشكوك الأمريكية تتعزز تجاه أي مشروع أوروبي للاستقلال الاستراتيجي. وقد جرى تعطيل كل محاولة لبناء قدرة دفاعية أوروبية مستقلة خارج إطار حلف شمال الأطلسي، باعتبار أن أي استقلال أوروبي يُفهم تلقائيًا بوصفه تقليصًا للنفوذ الأمريكي.
خطابات ميونيخ ودافوس الأخيرة كشفت حجم هذا الشرخ. فحين يُبلّغ الحلفاء، علنًا، بأن القيم لم تعد مشتركة، وبأن الالتزامات الأمنية قابلة لإعادة النظر، فإن ذلك يشكّل انتقالًا من منطق التحالف إلى منطق الابتزاز. ردود الفعل الأوروبية، التي تراوحت بين الصدمة والإنكار، عكست غياب الجاهزية الاستراتيجية للتعامل مع هذا التحول، واعتمادًا مفرطًا على الضمانات الأمريكية التي ثبت هشاشتها.
الأزمة الأوكرانية مثّلت المسرح الأوضح لهذا الاختلال. فرغم أن أوروبا هي المتضرر الأول من تداعيات الحرب، اقتصاديًا وأمنيًا، فإنها جرى تهميشها من مسار اتخاذ القرار. الولايات المتحدة انفردت بتحديد سقف الدعم، وبإدارة قنوات الاتصال مع روسيا، وبالتلميح إلى تسويات محتملة، دون إشراك فعلي للاتحاد الأوروبي. وقد أكد تصريح وزير الدفاع الأمريكي بشأن استحالة استعادة أوكرانيا لحدودها أن القرار النهائي لا يُصاغ في العواصم الأوروبية.
في المقابل، كشف هذا المسار عجز الاتحاد الأوروبي عن بلورة موقف موحد، أو حتى صياغة رؤية استراتيجية مستقلة. فالأزمات الداخلية المتراكمة، من البوسنة والهرسك إلى أيرلندا الشمالية، ومن الانقسام حول الطاقة إلى صعود التيارات الشعبوية، جعلت أوروبا كيانًا دفاعيًا بامتياز، غير قادر على المبادرة. خطاب الرئيس الفرنسي حول “موت أوروبا” عكس هذا القلق الوجودي، لكنه لم يُترجم إلى خطوات عملية.
النتيجة المباشرة لهذا الوضع هي تفكك تدريجي في المعادلة الأطلسية. لم يعد الحلف قائمًا على تقاطع المصالح بقدر ما أصبح قائمًا على اختلال القوة. الولايات المتحدة تمارس دور المركز الإمبراطوري، وأوروبا تؤدي وظيفة المجال الحيوي، مع هامش محدود للمناورة. وأي محاولة أوروبية للتمرد الناعم تُواجَه بأدوات ضغط متعددة: اقتصادية عبر الرسوم الجمركية، أمنية عبر التشكيك في الالتزامات الدفاعية، وسياسية عبر تهميش الدور الأوروبي في الملفات الكبرى.
في المحصلة، يمكن القول إن النظام الدولي يدخل مرحلة انتقالية غير مستقرة، تتراجع فيها المعايير الليبرالية لصالح منطق القوة الصريحة. الإمبريالية الأمريكية لم تعد بحاجة إلى تبرير أخلاقي، وأوروبا لم تعد قادرة على الادعاء بأنها شريك كامل السيادة. وبين صدى القوة الأمريكية وهمس الاعتراض الأوروبي، تتشكل معادلة جديدة، عنوانها إعادة توزيع النفوذ داخل المعسكر الغربي نفسه، قبل إعادة رسم توازناته مع القوى الصاعدة.
وهنا، لا يبدو السؤال الاستراتيجي مطروحًا حول إمكانية الصحوة الأوروبية بقدر ما يُطرح حول كلفتها، وحدودها، وقدرتها على التحول من كيان اقتصادي إلى فاعل جيوسياسي مستقل. فالتاريخ، كما تقول الحكمة القديمة، لا يكافئ من يكتفي بالانتظار، بل من يعيد تعريف موقعه في لحظة الانكشاف.









