هل بزغ العصر الصهيوني؟ قرار الكنيست بضم الضفة الغربية ومستقبل السلطة الوطنية الفلسطينية

بقلم: د. صالح الشقباوي

قراءة فلسفية–سياسية في منعطف وجودي خطير
رئيس المجلس الأكاديمي الفلسفي الفلسطيني

مقدمة: من الحدث السياسي إلى التحول التاريخي
لسنا أمام حدث سياسي عابر، ولا أمام قرار تشريعي يمكن احتواؤه بالبيانات أو الاعتراضات الدبلوماسية التقليدية، بل نحن أمام تحول تاريخي طويل الأمد، يؤسس لمرحلة جديدة في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
قرار الكنيست بضم الضفة الغربية لا يمثل فقط خرقاً إضافياً لاتفاقيات أوسلو، بل هو إلغاء كامل لفلسفة التسوية ذاتها، وإعلان صريح لنهاية مرحلة، وبداية أخرى أكثر خطورة، تمس جوهر الوجود الفلسطيني في المكان.
ما جرى ليس إجراءً إدارياً، بل فعل أنطولوجي قسري يسعى إلى نفي الفلسطيني من المكان بوصفه ذاتاً تاريخية، وتحويله إلى فائض ديمغرافي داخل نظام سيادي يهودي كامل.
أولاً: هل بزغ ما يمكن تسميته «العصر الصهيوني»؟
العصر الصهيوني، بالمعنى الفلسفي، لا يُقاس بعدد المستوطنات ولا بحدود السيطرة العسكرية فقط، بل بانتقال المشروع الصهيوني من مرحلة التوسع المؤجل إلى مرحلة الحسم الوجودي.
وهذا ما نشهده اليوم.
منذ عام 2022، ومع صعود التيار الديني القومي المتطرف، باتت «يهودا والسامرة» ليست مجرد توصيف أيديولوجي، بل إطاراً سيادياً بديلاً عن مفهوم الأراضي المحتلة.
لقد استُخدمت السنوات الأخيرة لتفكيك كل المرجعيات السابقة:
المرجعية الأوسلوية
المرجعية الدولية
المرجعيات القانونية العثمانية والأردنية والبريطانية
واستُبدلت جميعها بمرجعية واحدة: القانون الإسرائيلي بوصفه قانون السيادة المطلقة.
ثانياً: الضفة الغربية من أرض متنازع عليها إلى «كانتونات يهودية»
قرار الضم لا يعني فقط توسيع الاستيطان، بل يعني:
إلغاء فكرة وحدة الضفة والقطاع والقدس
تحويل الضفة إلى كانتونات جغرافية وسياسية
تفكيك المجتمع الفلسطيني إلى وحدات إدارية بلا سيادة
بل الأخطر من ذلك، إعادة تعريف الملكية: إسرائيل ستلجأ – ولا سيما في مناطق (أ) – إلى:
إلغاء سندات الملكية
الطعن في تراخيص البناء
هدم آلاف المنازل بحجة عدم قانونيتها
لأن السلطة الوطنية، وفق المنطق الإسرائيلي، سلطة حكم ذاتي وظيفية وليست دولة، وبالتالي قراراتها لا تملك شرعية سيادية.
وهنا يتحول الفلسطيني من صاحب أرض إلى ساكن مؤقت داخل نظام لا يعترف به.
ثالثاً: السلطة الوطنية الفلسطينية – وجود معلّق أم قرار دولي؟
السؤال الجوهري:
هل تستطيع إسرائيل حلّ السلطة الوطنية الفلسطينية؟
الإجابة الفلسفية–السياسية:
السلطة ليست نتاجاً لإرادة إسرائيل فقط، لكنها أيضاً نتاج توازن دولي.
غير أن إسرائيل تعمل على ما هو أخطر من الحل:
تفريغ السلطة من معناها.
تحويلها إلى:
سلطة بلديات
سلطة خدمات
سلطة إدارة سكان
أي سلطة تخدم الاستراتيجية الإسرائيلية لا المشروع الوطني الفلسطيني.
وهنا تصبح السلطة أمام مفترق وجودي: إما أن تعيد تعريف ذاتها،
أو تتحول إلى أداة في نفي ذاتها.
رابعاً: أوسلو… من اتفاق مرحلي إلى عبء وجودي
في عام 1993 اعترف الفلسطيني بإسرائيل مقابل وعد بدولة على 22% من فلسطين التاريخية.
اليوم:
الأرض صودرت
القدس هُوّدت
الضفة ضُمّت
غزة حوصرت
وبذلك، فإن الأساس الفلسفي للاعتراف قد انهار.
الاعتراف لم يعد عقداً متبادلاً، بل أصبح تنازلاً أحادي الاتجاه.
ومن هنا، فإن إعادة النظر في الاعتراف بإسرائيل لم تعد شعاراً، بل سؤالاً سيادياً مشروعاً.
خامساً: العالم، التطبيع، ونهاية وهم الضمانات
الدول المطبعة روّجت أن التطبيع سيمنع الضم.
ها هو الضم يقع.
160 دولة تعترف بفلسطين،
لكن الاعتراف بلا أدوات ضغط تحول إلى اعتراف رمزي بلا أثر.
أما حل الدولتين، فهو اليوم:
مُفرغ من مضمونه على الأرض
لكنه ما زال الإطار الأخلاقي والقانوني الوحيد القادر على نزع الشرعية عن مشروع الضم
سادساً: الرهان الحقيقي… على الشعب الفلسطيني
لا يمكن الرهان على:
تغيير الحكومة الإسرائيلية
تغير الإدارة الأمريكية
صحوة مفاجئة في ضمير العالم
الرهان الحقيقي هو: الشعب الفلسطيني بوصفه ذاتاً تاريخية مقاومة.
أي مشروع يهدف إلى تهويد الأرض ونفي الشعب لن ينتج أمناً، بل انفجاراً وجودياً.
وإسرائيل – إن استمرت في هذا المسار – ستدرك أن القوة دون عدالة ليست ضمانة للبقاء.
خاتمة: من العبث إلى السلام
يخطئ الإسرائيلي، والصهيوني، واليهودي، إن اعتقد أن قضم الأرض سيجلب السلام.
السلام لا يُبنى على الإلغاء، بل على الاعتراف.
إن الطريق الوحيد للاستقرار هو:
الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية
إقامة دولة فلسطينية مستقلة
العيش المشترك على جغرافيا واحدة مقسّمة بين دولتين
ذلك ليس ضعفاً، بل الحكمة الوحيدة الممكنة في تاريخ أنهكته القوة وأفقرته العدالة.