نشر ملفات إبستين – تشتيت للانتباه عن فلسطين وابتزاز لصنّاع القرار

السياسي – بينما كان العالم يحبس أنفاسه مع وجود نذر حرب أمريكية إيرانية، أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن ملايين الملفات لفضائح كان يديرها ويدبرها الملياردير اليهودي جيفري إبستين في جزيرته “ليتل جيمس”، لتصبح الشغل الشاغل للعالم بأسره، وتصرف انتباهه عما يجري في أماكن أخرى، خاصة فلسطين.

أسماء كبيرة ولامعة تورطت في فضائح إبستين؛ رؤساء دول كبرى، رجال ونساء سياسة ومال وأعمال وفنون، مفكرون وأكاديميون من كل أنحاء العالم، مع حضور إسرائيلي محدود.

ويضع ذلك الحضور المحدود لـ “إسرائيل” في هذه الملفات، علامات استفهام حول سبب احتفاظ إبستين بها ودوافع إخراجها الآن، في ظل شبهات تحوم حول علاقته بالموساد الإسرائيلي.

-“إسرائيل”.. المستفيد المباشر

كاتب ومحلل السياسي يرى أن المتضرر من نشر هذه الفضائح هو الفلسطيني وقضيته بشكل خاص، والمنطقة العربية بشكل عام، في حين أن “إسرائيل” هي المستفيد المباشر.

ويقول : “هذا المشهد يعيد نفسه بفضائح تخرج بين الفينة والأخرى، وتوقيت إخراج هذه الفضائح ليس صدفة. هناك توقيت تحتاجه “إسرائيل”، وبشكل عام الماسونية، لتقرير مسار جغرافي أو سياسي في منطقة ما”.

ويربط بين نشر ملفات إبستين بهذه الصورة الواسعة والحديث عن صياغة الشرق الأوسط الجديد وصفقة القرن و”إسرائيل الكبرى”.

ويعتقد أن نشرها يحمل رسالة ضغط واضحة على الأنظمة العربية -وأغلبها غير منتخبة- للقبول بما كان من المحرمات سابقًا، تحت الضغط وتزامنًا مع الإبادة الجماعية وحالة الردع التي شكلتها “إسرائيل” للأنظمة في المنطقة.

ويعيد التذكير بما تحدث عنه المبعوث الأمريكي الخاص بسوريا ولبنان توم باراك، حينما قال إن الولايات المتحدة تريد تغيير خارطة سايكس-بيكو، والتي اعتبرها خطيئة يجب تغييرها.

ويؤكد أن نشر هذه الملفات لا يؤثر على الأمن القومي الأمريكي أو الإسرائيلي، ولا حتى على الأمن القومي الأوروبي، بل من الممكن أن تستفيد أمريكا و”إسرائيل” من الملفات في ابتزاز بعض القادة الأوروبيين.

ولا يرى أي تضارب مصالح في نشر هذه الملفات التي تلطخ سمعة الكثير من “أصدقاء إسرائيل”، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لافتًا إلى أن الرئيس الأسبق بيل كلينتون لم تتم محاكمته أو عزله بعد ظهور فضيحة مونيكا لوينسكي.

-تفسير للصمت أمام الإبادة..

ويشير الباحث، إلى أن هذه الملفات جاءت لتفسر -ولو بشكل متأخر- لماذا صمتت حكومات وبرلمانات عديدة أمام مشاهد الإبادة والتجويع التي ترتكبها “إسرائيل” في غزة.

وفي الوقت نفسه، يعتقد أن نشر الملفات يهدف أيضًا إلى تحقيق مكاسب مادية للولايات المتحدة التي تريد ابتزاز مليارات الدولارات من أنظمة عربية وغيرها، إلى جانب ابتزازها سياسيًا.

ويقول: “الضرر المباشر على الدول العربية التي كانت تتستر بالخطوط الحمراء. اليوم يقول لهم الإسرائيلي والأمريكي: لا خطوط حمراء، افعلوا ما نريد، وإذا لم تفعلوا فسنفضحكم في الشوارع أمام شعوبكم”.

-توقيت مريب..

ويذهب كاتب والمحلل السياسي اخر إلى التشكيك بأسباب ظهور هذه الملفات في هذا التوقيت الحساس على المستوى الدولي والفلسطيني، ويرى أن هذا التوقيت ليس بريئًا، وهو متصل بكثير من التغيرات في العالم.

ويشير إلى أن هناك ملفات عالمية تتفاعل وتتسارع بشكل كبير حاليًا، وهذه الملفات تحتاج إلى إرباك العالم بقضايا مختلفة لتمريرها.

وأضاف أن هناك قضايا خطرة وصعبة يمكن أن تمرر في ظل الانشغال بملفات إبستين، وفي مقدمتها ما يحصل في فلسطين من إجراءات إسرائيلية تهدف للسيطرة الكاملة على الأرض وتهجير الشعب الفلسطيني وفرض الإرادة الإسرائيلية على الفلسطينيين بشكل مكشوف ومباشر، مستغلة هذه الظروف المواتية.

ويعتقد أن ملفات إبستين قد تكون إحدى الأدوات المؤثرة في هذا التوجه، فكل قضية تُثار في العالم، خاصة بضخامة ملف إبستين، تؤثر على القضية الفلسطينية، ويمكن أن تؤدي إلى انجراف وتطور موقف الاحتلال بشكل كبير وعلني حول مواقف غير معلنة ومخطط لها سابقًا.

ويبيّن أن ما يحصل الآن في الضفة الغربية وقطاع غزة مخطط له سابقًا وليس مفاجئًا، والآن يبدأ التتويج نحو الوصول إلى المرحلة التي تريدها الحركة الصهيونية، وهي إخلاء فلسطين لليهود والسيطرة على الإقليم.

ويكمل: “الآن يشعرون أن الفرصة مهيأة جدًا لتطبيق هذه النوايا مستغلين التغيرات الإقليمية والعالمية، وفي إطار كل ذلك تخرج هذه الملفات، والتي بالتأكيد لها دور كبير في تشتيت الانتباه وخلط الأوراق على مستوى العالم”.

-من يتحكم بالعالم؟

وحول حديثه عن مدلولات ما احتوته ملفات إبستين من ملايين الصفحات، وما كشفته من تورط شخصيات وأسماء كبيرة، يشير إلى أن “هناك من يتحكم بالعالم بطريقة لا أخلاقية، وتتسم بالكثير من استغلال الإنسان والمال والقوة والمصالح لفرض مواقف ورؤى على المستوى العالمي”.

ويردف: “كنا نستغرب لماذا كان الموقف بهذا الشكل المتخاذل لهذا القائد أو المسؤول؟ ولماذا لم يكن هناك موقف أكثر صرامة؟ ولماذا لم يحاول تغيير مواقفه؟ ويكون التفسير أن هناك ملفات يمكن أن تُستعمل ضده في أي لحظة”.

ويرى أن من يملك هذه الملفات بالتأكيد يستغل أي ملفات ضد هذه الشخصيات، ما يجعل قرارهم السياسي غير مستقل، وغير مرتبط أحيانًا بمصالح دولهم وأمتهم، وحتى بمصالحهم الشخصية.

ويلاحظ أنه من بين العدد الكبير لشخصيات كبيرة وانتشارهم في كل أنحاء العالم، بقي النظام السياسي الإسرائيلي بمنأى عن هذه الفضائح، باستثناء عدد محدود جدًا من الشخصيات الإسرائيلية، أبرزهم رئيس الحكومة الأسبق إيهود باراك.

وهذا ما يقود إلى الشعور بأن ظهور هذه الملفات ليس بريئًا، وإنما مخطط له بعناية، وقد يكون هناك ملفات أخرى كبيرة لم تظهر بعد، سواء من إبستين أو من غيره، بما يؤدي إلى التحكم في العالم بشكل أكبر.