ليست اللغة وعاءً محايدًا للألفاظ، ولا أداةً تقنية لتبادل الرسائل فحسب؛ إنّها الذاكرة الحيّة للأمم، والعقل الجمعي حين يتكلّم، والوجدان حين يتشكّل في صيغةٍ قابلة للانتقال عبر الزمن. ومن هذا المنظور، فإنّ ما تتعرّض له لغتنا العربية اليوم لا يمكن اختزاله في أخطاء شائعة أو تدهورٍ أسلوبي عابر، بل يندرج ضمن محاولات صوملة لغوية تمسّ جوهر الهوية، وتستهدف تفكيك البنية الرمزية التي قامت عليها الثقافة العربية قرونًا طويلة.
لقد تزامن اتّساع رقعة المتعلّمين مع تضخّم ظاهرة المتعالمين، أولئك الذين امتلكوا أدوات النشر لا أدوات المعرفة، واحتلّوا منابر الإعلام والمنصّات الرقمية دون رصيدٍ لغوي أو وعيٍ تاريخي. ومعهم برز الرويبضة اللغوي؛ لا بوصفه شخصًا جاهلًا فحسب، بل باعتباره ظاهرةً ثقافية تُجيد تبسيط العميق، وتسطيح المركّب، وتقديم الركاكة في ثوب الحداثة. وهكذا، لم تعد الصوملة مقتصرة على الاقتصاد أو السياسة أو تفكّك الدولة، بل امتدّت إلى اللغة ذاتها، بوصفها آخر حصون التماسك الرمزي.
إنّ صوملة اللغة لا تعني موتها، بل إدخالها في حالة وهنٍ دائم، حيث تفقد معياريتها، وتتآكل قواعدها، وتُستبدل الفصاحة بالعاميّة المبتذلة، والاشتقاق الخلّاق بالاستيراد الكسول، والدقّة المفهومية بالضبابية التعبيرية. وفي هذا السياق، لا تُقصف اللغة من الخارج، بل تُستنزف من الداخل، عبر الاستهانة بقواعدها، والسخرية من فصاحتها، والترويج لفكرة أنّ العربية “عاجزة عن مواكبة العصر”، في تجاهلٍ فجّ لتاريخها وقدرتها العجيبة على الامتصاص والتوليد.
والمفارقة الفادحة أنّ هذه اللغة نفسها كانت، على امتداد قرون، قوّة جذب حضارية لا تُضاهى. فقد دخلها الفارسي والسرياني والبربري والتركي، ولم تلبث أن أعادت تشكيل وعيهم، حتى غدوا – باعترافهم – عربًا باللسان والفكر، لا بالدم والنسب. كتب بها سيبويه وهو فارسي، والفارابي وهو تركي، وابن سينا وهو خراساني، ولم يشعر أحدٌ أنّ العربية تضيق بهم، أو أنّها قيدٌ على التفكير الفلسفي أو العلمي. بل كانت اللغة العربية آنذاك أفقًا مفتوحًا للعقل، ومجالًا رحبًا للاشتقاق والبرهنة والتخييل.
فكيف آل حالها اليوم إلى هذا التراجع، في زمن تضاعفت فيه الجامعات، وتكاثرت الأكاديميات، وتوسّعت المؤسسات الثقافية، وتعدّدت مراكز الأبحاث، بل وتأسّست مجامع لغوية يُفترض أنّها حارسة اللسان؟
الجواب لا يكمن في كثرة المؤسّسات، بل في غياب المشروع اللغوي، ولا في وفرة المتعلمين، بل في انفصال التعليم عن الثقافة، والمعرفة عن المسؤولية. لقد تحوّلت اللغة في كثير من المناهج إلى مادة امتحانية، لا إلى كيانٍ حيّ، وتحوّل الإعلام من رافعة للذائقة إلى معمل لإنتاج الركاكة، وتحوّلت الحداثة إلى ذريعة لقطع الصلة بالتراث بدل محاورته.
إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود العاميّات أو اللغات الأجنبية – فالتعدّد اللغوي ظاهرة صحّية – بل في تسييد الهشاشة، وفي تحويل الخطأ إلى قاعدة، والضعف إلى “بساطة”، والتفكّك إلى “تحرّر”. وهنا بالضبط تتجلّى الصوملة: حين تفقد اللغة مركزها الناظم، وتُترك نهبًا للأهواء، بلا مرجعية ولا معيار ولا ذائقة مشتركة.
إنّ الدفاع عن العربية اليوم ليس حنينًا رومانسيًا إلى الماضي، ولا تعصّبًا لغويًا أعمى، بل هو دفاع عن حقّ العقل في التعبير الدقيق، وعن حقّ الوجدان في لغةٍ تليق بعمقه، وعن حقّ الأمة في هويةٍ غير مستعارة. فاللغة التي لا تُنتج فكرًا، ولا تصوغ معرفة، ولا تحمي معنى، تتحوّل إلى لهجةٍ مؤقّتة في سوق العابرين.
ولذلك، فإنّ إنقاذ العربية من الصوملة لا يبدأ بإدانة الآخرين، بل بإعادة الاعتبار للقراءة، والكتابة، والتدقيق، والتعليم العميق، وباستعادة الثقة بقدرتها على استيعاب العصر دون أن تفقد ذاتها. فالعربية، التي نجت من الغزو والسقوط والانكسار، لن تسقط إلا إذا تخلّى عنها أهلها، لا إذا عجزت هي عنهم.
إنّها ليست لغة تحتضر، بل لغة تُستنزف. وبين الاحتضار والاستنزاف مسافة وعي، إن أُدركت، عادت العربية إلى ما كانت عليه: لغة تفكير، لا مجرّد أداة كلام.








