السياسي –
حذّر الخبير الاقتصادي والكاتب في صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية نيكولا بافيريز من أن فرنسا دخلت مرحلة “إفقار متسارع”، معتبراً أن بلاده تحوّلت إلى “أرجنتين أوروبا”، في إشارة إلى نموذج اقتصادي قائم على الديون والتراجع الإنتاجي والانكماش الاجتماعي.
وبحسب الأرقام التي استند إليها بافيريز، بلغ نصيب الفرد من الثروة في فرنسا عام 2024 نحو 38,110 يورو، لتحتل المرتبة 34 عالمياً، وهو مستوى يقل بنسبة 7% عن المتوسط الأوروبي للعام الثالث على التوالي، كما بات أقل بـ25% من الدنمارك، و20% من السويد، و15% من ألمانيا، وحتى أقل بـ0.5% من إيطاليا.
انفجار الديون
هذا التراجع انعكس مباشرة على مستويات المعيشة، إذ يطال الفقر قرابة 10 ملايين فرنسي، مع انضمام أكثر من 650 ألف شخص سنوياً إلى دائرة الهشاشة الاجتماعية، في ظل تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف المعيشة.

يتزامن هذا الانكماش مع تضخم غير مسبوق في المديونية. فقد بلغ الدين العام الفرنسي 3.48 تريليونات يورو، أي ما يعادل 117.4% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع إضافة التزامات التقاعد وحصة فرنسا من قروض الاتحاد الأوروبي، يصبح نصيب كل مواطن فرنسي من بين 69 مليون نسمة أي نحو 231 ألف يورو من الديون وما يعادل ست سنوات من الدخل المتوسط.
ويرى بافيريز أن فرنسا عالقة بين كماشة الفقر المتزايد والديون المتراكمة، في وقت تشهد فيه البلاد تحديات ديموغرافية مقلقة، مع تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات لأول مرة منذ عام 1945.
ويعزو الكاتب هذا المسار إلى ما أسماه “نموذج النمو بالدين”، حيث يجري تعويض تراجع الإنتاج والوظائف عبر الإنفاق العام والاقتراض، بدلاً من تحفيز الاستثمار والإنتاجية، ويشير إلى أن فرنسا لم تعد تنتج سوى 36% من السلع الصناعية التي تستهلكها، فيما تقلصت حصتها من التجارة العالمية إلى 2% فقط.
كما تراجع حجم العمل والإنتاجية؛ فمتوسط ساعات العمل للفرد يبلغ 664 ساعة سنوياً، مقارنة بـ825 ساعة في الولايات المتحدة. وانخفضت الإنتاجية بنسبة 6% منذ عام 2019، في ظل تراجع ترتيب النظام التعليمي الفرنسي في تصنيفات”بيزا” العالمية.
ويحذر بافيريز من أن مشروع موازنة 2026 يزيد الوضع تعقيداً، مع فرض ضرائب إضافية بقيمة 44 مليار يورو، منها 12 ملياراً على الشركات الكبرى، ما يهدد بتقويض ما تبقى من قاعدة إنتاجية، ويتوقع أن يقترب الدين العام من 120% من الناتج المحلي هذا العام، مع ارتفاع خدمة الدين إلى أكثر من 100 مليار يورو بحلول 2029.
انحدار استراتيجي
وفي تحذير لافت، يؤكد بافيريز أن فرنسا تفقد تدريجياً موقعها بين أكبر عشر اقتصادات عالمية، وقد تجد نفسها خارج هذا التصنيف قبل نهاية العقد الحالي إذا استمر المسار نفسه، ويرى أن البلاد باتت عاجزة عن مواكبة تحديات إعادة التصنيع، والذكاء الاصطناعي، والتحول البيئي، وإعادة التسلح.
ويخلص الكاتب إلى أن هذا التراجع “ليس قدراً محتوماً”، بل نتيجة سياسات خاطئة يمكن تصحيحها عبر “العلاج” يعيد توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج والاستثمار والابتكار، ويعزز قيمة العمل والتعليم.







