المتاجرة بالقضية الفلسطينية عبر الفضائيات الإعلامية

عمران الخطيب

تشهد بعض الفضائيات الإعلامية سباقًا محمومًا على زيادة عدد المتابعين ونسب المشاهدة، عبر استضافة محللين سياسيين وعسكريين وصحفيين، إلى جانب شخصيات لا تمتلك في كثير من الأحيان أي رصيد معرفي أو نضالي، سوى القدرة على الظهور الإعلامي. فبات كل من “هبّ ودبّ” ضيفًا دائمًا على الشاشات، يقدّم نفسه بوصفه خبيرًا استراتيجيًا، أو قائدًا في المقاومة المسلحة، ويوزّع النصائح على الفلسطينيين في قطاع غزة حول الصمود والمواجهة.
وخلال ما يزيد على عامين من العدوان والإبادة الجماعية بحق قطاع غزة، تشكّلت ظاهرة ما يمكن تسميته بـ«نجوم الإعلام الحربي»، نتيجة التكرار المستمر لظهور بعض الوجوه على الشاشات. بل إن بعضهم تحوّل إلى موظف دائم لدى الفضائيات، يتقاضى رواتب شهرية، فيما يُدفع لآخرين وفق عدد المشاركات وحجم “الترند” والمشاهدات التي يحققونها.
ولهذه المشاركات، في كثير من الأحيان، شروط غير معلنة، تبدأ بالهجوم على السلطة الفلسطينية ووصمها بـ«سلطة التنسيق الأمني» و«سلطة أوسلو»، واتهامها بمنع المقاومة في الضفة الغربية وملاحقة المقاومين. وبعد هذه المقدمة الجاهزة، ينتقل الضيف إلى تحليل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، إلى حدّ بات فيه الجمهور ينتظر “المعركة البرية الحاسمة” التي يروّج لها هؤلاء، مع تأكيدات متكررة بأن جيش الاحتلال عاجز عن خوضها أو حسمها.
لا خلاف على أن رجال المقاومة الفلسطينية قدّموا شجاعة وبسالة نادرة في مواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلي، في مقابل جرائم وسلوكيات إجرامية غير مسبوقة مارسها هذا الجيش، شملت القتل الجماعي، والمسح الجغرافي والسكاني، والنزوح القسري المتكرر من منطقة إلى أخرى داخل قطاع غزة. غير أن ما غاب عن كثير من هؤلاء “المحللين” هو أن أهداف العدوان الإسرائيلي لم تعد محصورة في الرد على عملية السابع من أكتوبر، بل تحوّلت إلى هدف استراتيجي واضح يتمثل في تهجير الفلسطينيين.
فحكومة بنيامين نتنياهو والائتلاف اليميني المتطرف الحاكم في تل أبيب تعمل بشكل منهجي على جعل تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة هدفًا مركزيًا، عبر استمرار الإبادة الجماعية، والحصار الاقتصادي، والتجويع، والتحكم بمعبر رفح، سواء في أعداد المغادرين أو في إدخال المساعدات، حتى في ظل الحديث عن المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
القيادة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية ليست على خلاف حول مبدأ المقاومة، بل إن الخلاف يتمحور حول وسائل وأدوات المقاومة وتقدير التوازنات والمخاطر. غير أن بعض ضيوف الفضائيات لم يكتفوا بتبرير الإبادة الجماعية في غزة بصمتهم أو بسطحية تحليلاتهم، بل ذهبوا إلى اعتبار أن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ومخيماتها تشكّل عائقًا أمام المقاومة المسلحة، وجرى توصيفها في أحد البرامج على فضائية أردنية محلية – في سياق منافسة محمومة مع قناة الجزيرة – بأنها «سلطة لحدية»، مع فتح المجال للشتائم والإهانات بحق منظمة التحرير الفلسطينية.
هذه الشرائح التي تقدّم نفسها بوصفها محللين وإعلاميين وسياسيين أو نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي، ليس بعضهم سوى أدوات مأجورة تبحث عن دعم مالي رخيص، على حساب دماء الفلسطينيين ونزيفهم وتجويعهم تحت الاحتلال الإسرائيلي الفاشي.
نعم، كان بإمكان السلطة الفلسطينية أن تدعو الأجهزة الأمنية والأمن الوطني إلى مواجهة مفتوحة مع جيش الاحتلال في الضفة الغربية، لكن هذا المشهد – في أفضل الأحوال – لن يستمر أكثر من أيام أو أسبوع، قبل أن يُفرض الاحتلال سيطرته الشاملة، وتبدأ مرحلة تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية ومخيماتها باتجاه الأردن، إضافة إلى استهداف عشرات الآلاف ممن عادوا إلى الضفة بعد اتفاق أوسلو. ولا أحد يستطيع إنكار أن هذا السيناريو يُعد هدفًا استراتيجيًا لحكومة نتنياهو وائتلافه المتطرف.
في هذا الإطار، تندرج سياسات مصادرة الأراضي، وتوسيع الاستيطان، وحجز أموال المقاصة، وخنق السلطة ماليًا، ضمن خطة تهدف إلى دفع السلطة الفلسطينية نحو الانهيار، تمهيدًا لإنهاء اتفاق أوسلو، وضم الضفة الغربية، وتكريس مشروع «يهودا والسامرة»، ومنع قيام الدولة الفلسطينية، رغم أن هذه الدولة باتت مشروعًا معترفًا به من قبل دول وشعوب العالم.
تعاني “إسرائيل” من معضلة ديمغرافية حقيقية، إذ يعيش نحو نصف الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية، في قطاع غزة، والضفة الغربية، والقدس، ومناطق الداخل المحتل عام 1948. ولذلك فإن المهمة الأساسية اليوم هي صمود الفلسطينيين على أرضهم وإفشال مخططات التهجير.
ومن المؤسف أن بعض نجوم وضيوف الفضائيات الإعلامية يتقاطعون – عن قصد أو عن جهل – مع أهداف الاحتلال الإسرائيلي، من خلال هجومهم المنهجي على منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني.

عمران الخطيب

[email protected]